جريدة الاسبوع الادبي العدد 957 تاريخ 14/5/2005
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

البراغماتية: لأي شيء تصلح الأفكار؟(1)... ـــ جون - فرانسوا دورتييه(2) ـ ت.إبراهيم صحراوي ـ الجزائر

هامش من المترجم:‏

أ ـ مجلة "العلوم الإنسانية ـ Sciences Humaines" هي مجلة علمية فكرية فرنسية شهيرة، تهتم كما يدل على ذلك اسمها بمجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والفكر المرتبط بها.‏

ب ـ "فلسفات عصرنا ـ Philosophies de notre temps" كتاب ظهر عن منشورات "العلوم الإنسانية" في فرنسا سنة 2000م. يلقي نظرات عامة على الفلسفة في فرنسا وفي الغرب عامة بتياراتها وقضاياها وأعلامها، عبر استعادة مقالات لكتاب مختلفين سبق نشرها في المجلة المذكورة منقحة ومزيدة وكذا لقاءات مع مفكرين وفلاسفة معروفين، كما يضم الكتاب نصوصاً غير منشورة سابقاً. يقع في 359 صفحة من القطع المتوسط موزعة على خمسة فصول ومقدمة وملاحق. الفصول هي: نظرات على الفلسفة المعاصرة، من الحداثة إلى مابعد الحداثة، الفلسفة والسياسة، الفلسفة الأخلاقية، فلسفة العلوم، الروح والفكر، في البحث عن المعنى.‏

وهذه المقالة مأخوذة من الفصل الرابع من الكتاب: الروح والفكر.‏

***‏

لا توجد بالنسبة للبراغماتية التي طبعت الفلسفة بعمق في الولايات المتحدة حقائق مطلقة، بل توجد معارف مفيدة بدرجة تقل أو تكثر. وبقدر ما ينسحب هذا الأمر على المعتقدات العادية ينسحب على المعارف العلمية وعلى القيم الأخلاقية وعلى المذاهب السياسية.‏

من سنة 1871 إلى سنة 1876 في فترة كان فيها "الفلاسفة في أمريكا أكثر ندرة من الثعابين في النرويج"(3)، كان يجتمع بانتظام في كامبردج (ماساشوستس) قريباً جداً من جامعة هارفارد، ناد صغير من المفكرين (فلاسفة، نفسانيون، حقوقيون، مناطقة) يناقشون فيه موضوعات فلسفية وأخلاقية وسياسية وقضايا علمية مختلفة. يوجد من بين أعضاء هذه الجماعة الصغيرة شارل ساندرس بيرس (1839 ـ 1914) وهو عالم منطق وفيزيائي يشتغل في معهد مسح الأراضي. والظاهر أن شارل ساندرس بيرس كان القائد الفكري للجماعة. أما صديقه ويليام جيمس (1842 ـ 1910) فكان أحد الوجوه البارزة في النادي وهو ابن لأحد الأساتذة المعروفين وأخ الكاتب هنري جيمس. بعد طول تردُّد فيما بين الطب والرسم، أصبح ويليام جيمس أستاذاً لعلم النفس في هارفارد. وهناك أحدث أول مخبر لعلم النفس التجريبي.‏

"روح المخبر"لـ:شارل ساندرس بيرس‏

النقطة المشتركة الأولى بين أعضاء هذه الجماعة الصغيرة التي سموها في شيء من السخرية "النادي الميتافيزيقي" هي بالضبط نقدهم للفكر الميتافيزيقي، أي فلسفة تأملية تزعم امتلاك الحقيقة "النهائية" عن العالم.‏

شارل ساندرس بيرس ووليام جيمس وأصدقاؤهما متفقون على قبول فكرة أن إجراءً جديداً ضروريٌّ لإخراج الفكر من غطائه الميتافيزيقي. إن "الحقيقة المعتَبَرَة توافقاً تاماً بين الفكرة والعالم هي سراب أو وهم من أوهام الفكر. ينبغي التخلص من الأفكار العامة الضعيفة الواهية في أغلب الأحيان التي ينتجها الفكر الميتافيزيقي (أي الفلسفة التأملية)، للوصول إلى معارف أكثر وضوحاً وفي الوقت نفسه يمكن التأكد من صحتها بالتجربة.‏

في نص بعنوان "كيف تترسَّخ معتقداتنا(4) يعرض ش.س. بيرس للمرة الأولى مبادئ البراغماتية. أفكارنا ليست حقائق كونية، بل هي أدوات موجَهَة لحل مشاكل علمية. المعتقدات ـ من الأفكار المشتركة إلى النظريات العلمية ـ هي أدلَّة(من دليل بمعنى قائد) الحركة. تَثبُت وتستقرُّ لما تكون متوافقة جيداً مع محيط ما. لكنها سرعان ما تعود محلاً للشك والمراجعة عندما تظهر مشاكل جديدة. عندها تأخذ معتقدات وأفكار جديدة أحسن توافقاً، مكانها بصورة مؤقتة، هذا هو التصور التكيفي للفكر كما تقترحه البراغماتية.‏

في "كيف نجعل أفكارنا واضحة؟".(5) الذي نُشِر سنة من بعد، يستخلص شارل ساندرس بيرس من نظرته للمعرفة خلاصة منهجية مهمة. لا يمكن للأفكار أن تتقدَّم إلا إذا اتخذت شكلاً عملياً بالإمكان إخضاعه للتجربة وقيادة الفعل. إن العمق الحقيقي لفكرة ما يقاس بالمقترحات التي يمكن تأكيدها بالتجربة. إن قوة معرفة ما مرتبطة بفعالية الأفعال التي توجِّهها توجيهاً صحيحاً.‏

التفكير الصحيح هو إذن تعلم تحويل الخطابات الرجراجة العامة إلى مقترحات تتحدد مجالاتها، بوضوح وتكون نتائجهاخاضعة للقياس. هذا هو حسب ش.س. بيرس"كيف (يمكننا جعل أفكارنا واضحة". هو إذن يحدِّد البراغماتية كـ:"روح مخبرية". عمق فكرة أو معتقد بالنسبة له "يكمن فقط في الآثار المحسوسة القابلة لإحداثها على سير الحياة".‏

براغماتية وليم جيمس‏

يقاسم وليم جيمس صديقه ش.س.بيرس قسماً كبيراً من أفكاره التي جعل من نفسه ناشراً لهاعبر محاضرات ومطويات وكتب منشورة في الولايات المتحدة كما في أوربا. وبهذه الطريقة نجح في أن يكسب لمذهبه معتنقين جدداً. لكن هذا التبسيط لن يتم دون إعادة صياغة وتشويه للطروحات البدئية لشارل ساندرس بيرس، الذي وضع بطريقة مهذبة مسافة بينه وبين طروحات صديقه. فبينما نراه ذا عقل صارم حتى الورع لا ينفك يراجع فكره ويشتغل عليه، نرى وليم جيمس أكثر اهتماماً بنشر الطروحات منه باكتشاف آفاق البراغماتية وزواياها. يقدم في: مبادئ علم النفس (1890) و: البراغماتية (1907) وهي مطوية صغيرة لاقت نجاحاً كبيراً، عرضاً مبسَّطاً وراديكالياً للمذهب البراغماتي.‏

متأثراً بدارون يقترح و.جيمس للفكر نظرة تكيفية ومنفعية صارمة. يجعل هذه النظرة للأفكار تمتد لتشمل معارف العالم الطبيعي وتشمل كذلك المفاهيم الأخلاقية والدينية. لا يوجد "خير" مطلق بقدر ما لا توجد "حقائق" نهائية. الأفكار الأخلاقية هي دعامات للفعل. إنه على ضوء نجاعتها يمكن قياس قيمته. يرفض و.جيمس إذن واضعي المنظومات الذين يزعمون إنشاء منظومة أخلاق أو عدالة أو نظام سياسي كامل انطلاقاً من بعض المبادئ الأولى الكونية. من نتائج مذهب وليم جيمس البراغماتي الذي وُصِفَ بـ"التجريبي الراديكالي" التعدُّد. فإن كان لا يعترف بإمكانية بلوغ "حقيقة" مطلقة، فإنه يوجد بالمقابل عدد من الحقائق الجزئية ذات البعد أو المنفعة النسبية، حقائق مقبولة بحسب السياق.‏

جون ديوي: الفكر في حركة‏

عندما كان وليم جيمس وشارل ساندرس بيرس يضعان مجتمعين أسس البراغماتية، اخترع مفكر آخر، جون ديوي (1859 ـ 1952م)، في الوقت نفسه تقريباً فلسفة قريبة منها سماها "الأداتية ـ Instrumentalisme". تقوم على المبادئ نفسها: نقد الميتافيزيقا، دور التجربة في تشكيل الأفكار، رفض كل دوغمائية وقبول التعددية في المستوى الأخلاقي والسياسي والتربوي.‏

مثلُهُ مثل ش.س. بيرس و و.جيمس كان جون ديوي فيلسوف ميدان. جاء إلى جامعة شيكاغو سنة 1896م.ليدرِّس بها الفلسفة ثمَّ سرعان ما ضمَّ إليها درساً في علم النفس التجريبي، وآخر في التربية. ثم أنشأ أول مدرسة تجريبية (سميت فيما بعد مدرسة ديوي). بالإضافة إلى أنه كان ذا عقل موسوعي، ومتأملاً متأنياً للعالم المعاصر ورحالة كبيراً، كان جون ديوي كذلك مفكِّراً ملتزماً. اعتنق الليبرالية بتأثير من زوجته (بالمعنى الأنغلو سكسوني لـ"التقدمي")، وكان مدافعاً متحمِّساً عن حرية الرأي وعن الديمقراطية وعن التقدُّم الاجتماعي. كان يشارك في النقاشات السياسية الكبرى في عصره ويتحمَّل مسؤوليات نقابية وجمعوية. أَوْقَفَ سنة 1937م تحرير كتابه: رسالة في المنطق ـ Traité de Logique، ليترأس لجنة التحقيق المُوجَّهة لتبرئة تروتسكي من اتهامات ستالين. كل فلسفة جون ديوي مرتبطة بالتجربة المعيشة. والحياة كلها مُصمَّمة على شكل تجارب متتالية. من هنا نتج تصوره للفكر وللتربية وللحياة السياسية.‏

في: How we think (1910م)، يدعم جون ديوي فكرة أن فكر رجل الشارع مثل فكر رجل العلم يتزاوج مع مسار تجريبي (تجاربي؟) متواصل. في حالة الراحة ليس الفكر في حاجة إطلاقاً للدخول في حركة. في مواجهة مشكلة ما(نظرية أو عملية) ينبغي لنا أن نشغِّل تفكيرنا. وبينما يتبع الحيوان غريزته يستدعي الكائن البشري فكره الذي هو مساعد للفعل. يحلِّل الوضعية (إنتاج المعطيات)، يشكِّل الفرضيات (الأفكار)، يجرِّبها (عملياً أو ذهنياً)، يتأمل النتائج، إذا لم تكن ملائمة عليه إذن أن يبحث عن إجابة أخرى. هكذا تولد الأفكار وتعيش وتموت.‏

كانت لنظرته التجريبية هذه للفكر آثار على تصوره للتربية. ينبغي أن يكون التعليم مُصمَّماً وفق نموذج "التفكير المخبري" هذا. ينطلق كل شيء من تصوره الفكر باعتباره مواجهة الفرد للمشاكل. كتب يقول في: Credo pédagogique: المدرسة ليست "تحضيراً للحياة، إنها الحياة". المدرسة إذن مخبر عليه أن يقوم أساساً على قاعدة التجارب والأسئلة ـ الإجابات التي يطرحها الطفل على نفسه (التعلم بالتجربة ـ Learning by doing).‏

يعني هذا أن بيداغوجية جون ديوي لا تشكِّل وصفات بيداغوجية عالمية. يجب ترك المجال للتربية اليدوية بقدر ما يجب تركه للتربية الفكرية. يجب أن تختلف الممارسات البيداغوجية بحسب سنِّ الأطفال وبحسب المادة المُدرَّسة وبحسب الهدف المرجو.... المدرسة لا تعلِّم إجابات نهائية: عليها أن تعلِّم على العكس من ذلك المواجهة غير المنقطعة لتجارب جديدة.‏

في المستوى السياسي تؤدي براغماتية جون ديوي إلى تبرير الديمقراطية، ليس باعتبارها نظاماً مثالياً بل نظاماً يسمح بتصحيح الأخطاء، وتجريب حلول ثم تعديلها عند الضرورة. المشكلات الاجتماعية مثلها مثل الفكر ينبغي ألا تُعالَج انطلاقاً من نموذج مُعَدٍّ سلفاً. بل يجب تصور حلول جديدة انطلاقاً من مشاكل الزمن الحاضر وإخضاعها للنقاش. يحتل التجريب وكذلك النقد ومواجهة الآراء بعضها ببعض مكانة مهمَّة في هذه النظرة البراغماتية للسياسة.‏

تراجع البراغماتية وتجدُّدها‏

في خطِّ ش.س.بيرس و و.جيمس وج.ديوي طوَّر جيل ثانٍ من المفكِّرين البراغماتيين البراغماتية في مختلف المجالات: في المنطق كلارنس لويس (1883 ـ 1964)، في السيميولوجيا شارل موريس (1901 ـ 1979م)، في الفلسفة السياسية سيدني هوك (1902 ـ 1989م).‏

لم تكن للبراغماتية في أوربا أصداء كثيرة، فالفكر الأوربي عموماً مناهض لنظرية يراها نفعية كثيراً وأداتية ومبتذلة لا مثالية فيها... ولم يتردَّد برتراند راسل في أن يتلفَّظ بحكم نهائي: "الخصلتان اللتان أعتبرهما مهمتين هما حب الحقيقة وحب القريب. وأجد أن حبَّ الحقيقة قد حُجِبَ عنه الضوء في أمريكا بفكر تجاري، البراغماتية هي شكله الفلسفي، وأن حبَّ القريب قد عرقلته الأخلاق المتزمتة".‏

عرفت البراغماتية في الولايات المتحدة بعض التراجع بعد الحرب العالمية الثانية. فقد فرضت الفلسفة التحليلية الناتجة عن أعمال حلقة فيينا نفسها ابتداء من سنوات الـ50 كفكر مسيطر في الولايات المتحدة. احتفظت من البراغماتية بصياغة لغة واضحة ورفض الميتافيزيقا. بمعنى ما مع أنها قريبة بعيدة للبراغماتية. في هذه الحالة يمكننا اعتبار "كل الفلسفة الأنغلو سكسونية المعاصرة في هذه الحالة وريثة غير مباشرة للبراغماتية" كما كتب جيرار دولودال(6).‏

ابتداء من سنوات الـ80 ازدهرت في الولايات المتحدة "براغماتية جديدة". المهندس الأساسي لهذا التجديد هو ريتشارد رورتي Richard Rorty (المولود سنة 1931م)، بلا منازع. هو أستاذ بجامعة فيرجينيا. يعتبر اليوم من الأسماء الكبيرة في الفلسفة الأمريكية. جعل من نفسه مدافعاً عن التقاليد البراغماتية التي يفسِّرها بمرونة كافية. استطاع في بضع سنوات أن يجعل جزءاً مُعتبراً من النقاش الفلسفي الأمريكي يدور حول طروحاته وأحدث شيئاً من التأثير في أوربا.‏

يحتفظ من جيمس وبيرس وديوي بالفكرة العامة التي مفادها أنه لا حقيقة مطلقة في مجالات الفلسفة والعلم والأخلاق. تقترح البراغماتية نظرة سياقية وأداتية للفكر. خاصية العلم ليست أن يقول "الحقيقة" بل على العكس أن يقدِّم الفرضيات المقبولة التي ستُنْقَض وتُرفَض في يوم ما. "الحقيقة تعيش بالتقسيط". كما كان يقول وليم جيمس. لكن رورتي كان يدافع عن البراغماتية خصوصاً في مجالي السياسة والأخلاق. في مجال الأخلاق يقول لنا أنه غير مجدٍ أن نرغب كما رغب كانط في إيجاد تبريرات كونية لإثبات ضرورة التضامن بين الناس.‏

من هنا هل يجب الغوص في النسبية، وفي الشك بل حتى في الوقاحة؟ لا، يؤكِّد رورتي. فعل الخير هو فعل حرٍّ لا يمكن أن يُبرَّر إلاَّ بذاته، ولا يمكن إشاعة التضامن بين الناس بفعل أية طبيعة إنسانية أو حقيقة كونية. يضيِّع الفلاسفة وقتهم في البحث عن حقيقة نهائية تجمع بين كلِّ الضمائر. التضامن والعدالة والأمل في عالم أفضل لا يمكن أن تأتي إلا من فعل حرٍّ. وإذا ظهرت في يوم ما مُثُل العدالة والتضامن فإن ذلك لن يكون إلا اختياراً حراً من الناس، مدعوماً بأحلام الشعراء والروائيين والمثاليين الذين يظهرون إمكانية ذلك وليس بأمثلة وتوضيحات الفلاسفة التي تبرهن على ضرورته. باعتبار البراغماتية نظريية للمعرفة نالتها انتقادات كثيرة. اتهمَت خصوصاً بتناقضها الداخلي وقلة وضوحها الذاتي. إضافة إلى ذلك يرى كل المراقبين أنه لا يوجد مذهب براغماتي موحَّد، بل عائلة فكرية تجمع كُتَّاباً تتناقض طروحاتهم أحياناً. أما ش.س.بيرس فلم يكن يرى البراغماتية فلسفة جديدة بل كان يرى فيها منهجاً يحثُّ على التخلُّص من الأفكار العميقة والعامة، لصياغة مقترحات قابلة للتأكد منها بصرامة. هي بالنسبة لرورتي وضعٌ مضادٌّ للأصولية، نداءٌ لاسترجاع الفرد حريته الفكرية إزاء كل واضعي النظمُ. من ناحية أخرى تستمد براغماتيته سحرها من برودة اللهجة التي تطبع كتاباته، ومن جنوحه إلى السخرية والمرح أكثر مما تستمدها من صرامة مقولاته.‏

ما المقصود بـ "ما بعد الحداثة"؟‏

نيقولا جورنيه‏

هامش من المترجم:‏

أـ مجلة "العلوم الإنسانية ـ Sciences Humaines هي مجلة علمية فكرية فرنسية شهيرة، تهتم كما يدل على ذلك اسمها بمجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والفكر المرتبط بها.‏

ب ـ "فلسفات عصرنا ـ Philosophies de notre temps كتاب ظهر عن منشورات "العلوم الإنسانية" في فرنسا سنة 2000م، يلقي نظرات عامة على الفلسفة في فرنسا وفي الغرب عامة بتياراتها وقضاياها وأعلامها، عبر استعادة مقالات لكتاب مختلفين سبق نشرها في المجلة المذكورة منقحة ومزيدة وكذا لقاءات مع مفكرين وفلاسفة معروفين، كما يضم الكتاب نصوصاً غير منشورة سابقاً، يقع في 359 صفحة من القطع المتوسط موزعة على خمسة فصول ومقدمة وملاحق، الفصول هي: نظرات على الفلسفة المعاصرة، من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، الفلسفة والسياسة، الفلسفة الأخلاقية، فلسفة العلوم، الروح والفكر، في البحث عن المعنى.‏

وهذه المقالة مأخوذة من الفصل الثاني من الكتاب: من الحداثة إلى ما بعد الحداثة.‏

***‏

تحيل فكرة ما بعد الحداثة التي ازدهرت في الولايات المتحدة ابتداء من ثمانينيات القرن الـ 20، إلى صورة عالم لم يعد يؤمن بالتقدُّم، بالعلم ذي القوة العظيمة، بالغد الأفضل، بالعقل المنتصر. لم يَعُد الأمر يتعلَّق بتثمين ثقافة (علمية، غربية) إزاء أخرى، لكنه يتعلَّق بمديح مزايا الاختلاط وبالتعدُّد الثقافي وبالاختلاف.‏

يبدو أن صفة "ما بعد حداثي" كانت موجودة عند نقاد الأدب في أمريكا منذ ستينيات القرن العشرين للإشارة إلى بعض الأعمال الطليعية. أخذ المصطلح معنى قريباً من معناه المعروف به اليوم مع الناقد الفنِّي تشارلز جنكس سنة 1975م، حينما أراد التعبير عن تصرف جماعة من المهندسين المعماريين (غرافاس، فونتيري، روسي، اينجرس، بوفيل، هولاين) الذين طالبوا بحق الانصراف عن الإبداع التلقائي، مما أدى إلى ظهور نوع من المعمار غير المتجانس المطعَّم بإحالات إلى الماضي.‏

التطور المهم الثاني في مسيرة المصطلح، كان ذاك الذي وسمه به جون فرانسوا ليوتار Jean Francois Lyotard سنة 1979م، لما وصف حال أو وضع المجتمعات التي خيبت آمالها وعود الحداثة بـ: وضعٍ "ما بعد حداثي". أخذ اللفظ دلالة ثقافية بالمعنى الواسع بمعنى تجاوز المثلُ التقدمية المرتبطة بفكر الأنوار وبالعقل وبالعلم، ويضم أيضاً نتائج الحداثة: تسارع الزمن، تقلص المكان ومطلب الحرية الفردية.‏

ما بعد الحداثة لدى الفلاسفة‏

يؤكِّد جون فرانسوا ليوتار في كتابه: الوضع ما بعد الحداثي ـ La Condition postemoderne - دار (1979, Minuit) أن على الإنسان الحديث أن يعيش من الآن فصاعداً بلا "حكايات كبرى". الحكايات الكبرى هي الأساطير وفيما بعد، المذاهب التاريخية للتقدُّم التي تغذَّت منها المجتمعات حتى العصر الحديث.‏

لكن بعد فظاعات الحرب والأنظمة الشمولية لم يعدُ بالإمكان انتظار أي "غدٍ أفضل" لا من العلم ولا من الأيديولوجيات السياسية. لن يستطيع الإنسان أبداً أن يعتمد على الحقيقة أو على التقدُّم أو على الثورة لبلوغ الحرية والسعادة، عليه أن يقنع بسيطرة التقنيات والعلوم على وجوده وأن يتكيف مع هذه السيطرة دون القدرة مع ذلك على الوثوق فيها فيما يتعلَّق براحته. أخيراً على كلِّ واحد في عالم ما بعد الحداثة أن يقتنع بالاختلافات الثقافية للآخر، دون انتظار ذوبانها في مثال حضاري وحيد، ذلك أنه ليس هناك حكم أعلى لتقرير ما هو حسن وما هو قبيح. تريد تأملات جون فرانسوا ليوتار إذن أن تكون تقويماً للتغيرات التي طرأت على ثقافة البلدان المتقدِّمة. لكن الحقيقة التي وصل إليها تضع الإنسان إزاء وضعية جديدة إطلاقاً في التاريخ.‏

ساهم ريتشارد رورتي ـ Richard Rorty وهو أستاذ في جامعة فيرجينيا وأحد الوجوه البارزة في الفلسفة الأمريكية، في بلورة مفهوم "ما بعد الحداثة". إلا أنَّه يصف نفسه بأنه من مواصلي البراغماتية، وأحد نقاد العقلانية الفلسفية. والبراغماتية في هذه الحالة تنطلق من مبدأ أنه لا توجد وجهة نظر تعبِّر عن الحقيقة المطلقة للحوادث أو تمكِّن من تحديد جوهر الأشياء. من رحم الوعي الكامل والتام لهذا الأمر انبثق "ما بعد الحداثة".‏

يترتَّب عن ذلك حسب ر. رورتي أن الاتفاق بين الناس مُحبَّذ على معرفة الحقيقي. من هنا تبرز مجموعة مواقف تُتَّخذ إزاء موضوعات أخلاقية وابستيمولوجية:‏

ـ نقد المعرفة العلمية باعتبارها حقاً (من: Raison) نهائياً وباعتبارها مصدراً للقدرة أو السلطة.‏

ـ أولية الإرادة والحرية الإنسانية على المعرفة.‏

ـ أولوية الديمقراطية على الكفاءة الفكرية، الـ "حديث" الإنساني على مقولات المعرفة.‏

ر. رورتي ليس متشائماً على الإطلاق، في كتابه: الأمل عوض المعرفة ـ L 'Espoir au lieu du savoir (دار 1995, Albin Michel) يؤكِّد على أن تحسين مصير الإنسان مُحبَّذ على أي مطلب آخر وخصوصاً على أية محاولة لوضع قواعد.‏

يمكن اعتبار جيل دولوز ـ Gilles Deleuze كذلك من فلاسفة ما بعد الحداثة بإسهامه في نقد الحداثة العقلانية في كتابه: Mille Plateaux (دار 1980, Minuit)، إنه ينصح بفكر متحرِّرٍ من ضرورة الوصول إلى مقترح وحيد. يقترح استعارة صورة نبتة الجذمور (وهي نوع من الجذور بصلية الشكل) التي تمتد في كل الجهات دون أن يكون لها مركز. الاختلافات بين الناس هي بالنسبة له تأكيدية، إبداعية وتساهم في إتمام الحرية الإنسانية، في مجال العلوم يمارس ميشال سار فلسفة تأويلية عبر الاستعارة، وهي متجانسة مع مقاربة ج. دولوز.‏

ما بعد الحداثة في الولايات المتحدة‏

يجنح المصطلح في الولايات المتحدة إلى تحديد تيار واسع من الأفكار التي تنهل من نقد الفن ومن فلاسفة التفكيكية (جاك دريدا، جيل دولوز، ميشال فوكو) ومن مفكري نسبية العلم (برونو لاتور) ومن الأنتروبولوجيا التأويلية (كليفورد جيرتز)، بإعادة أقلمته مع هذا المعنى في البلدان الأنغلوسكسونية غطى اللفظ مجال العلوم الاجتماعية في سنوات الـ 80 من القرن الـ 20: علم الاجتماع، الأنتروبولوجيا وحتى الجغرافيا.‏

ونسجِّل الوجود الموازي للفظ "ما بعد صناعي" الذي ظهر في ستينيات القرن الـ 20 لدى علماء اجتماع مثل آلان تورين ودانيال بل، وهو لفظ يحدد تطور المجتمعات الحديثة إلى نشاطات خدمية حيث يلعب الإعلام والحقوق الرمزية دوراً مهماً. سنرى عند علماء الاجتماع تقارب تحليل الجوانب الثقافية لما بعد الحداثة والمعطيات البنائية للنموذج الـ "ما بعد صناعي".‏

نجد عند علماء الاجتماع تحديدات كثيرة للمصطلح، يتحدَّث رونالد انجلهارت عن الـ "ما بعد المادية" المصطلح الذي يميز تطور القيم الأخلاقية والجمالية والدينية الجديدة، بعد سنوات الـ 70 من القرن الـ 20، التي حلت محلَّ البحث عن النعيم والراحة المادية باعتبارها إحدى المحفزات الأساسية للمجتمعات الغربية.‏

تيار جديد في الأنتروبولوجيا‏

اسمان كبيران يمكن اعتبارهما ممثلين لحركة توصف أحياناً بالـ "ما بعد حداثية" هما كليفورد جيرز ـ Glifford Geertz وجيمس كليفورد ـ James Clifford. يشتركان مع المفكرين الـ "ما بعد حداثيين" في نقد الموضوعية العلمية ورفض تراتبية المعارف. تطور النقد والرفض بسهولة كافية على أساس نسبية ثقافية حاضرة لدى مؤسِّسي المثاقفة ـ Culturalisme(1) في الولايات المتحدة (فرانز بواس، ألفرد كرويبر).‏

ينطلق كليفورد جيرتز الأستاذ بجامعة برنستاون والمختص في الثقافة البالينية (نسبة إلى بالي، أندونيسيا ـ المترجم) من فكرة أن كلَّ ثقافة هي تفسير للعالم: والملاحظ لا يزيد عن أن يحاول إدراك الأسلوب الخاص بكل ثقافة. (انظر: المعرفة المحلية، المعرفة العامة ـ Savoir local, savoir global) (دار 1980, Puf المطبوعات الجامعية الفرنسية).‏

في مرحلة ثانية نعتبر خطاب الأنتروبولوجي نفسه تفسيراً، يتضمَّنه الأسلوب الخاص بالكاتب، أو الخاص بجماعته المرجعية (انظر: هنا وهناك Ici et là- bas)، (دار 1996, Metailié).‏

طوَّر جيمس كليفورد على الخصوص الجانب التأملي من هذا البرنامج، بتبيين كيف يكشف تحليل المؤلفات الكلاسيكية في الأتنولوجيا استراتيجيات الثقافات المتأمَّلة في الاستحواذ على السلطة بالنص. كما حلَّل أيضاً العلاقات الموجودة بين الفن والاتنولوجيا، مقلِّلاً إلى مقدار ضئيل علمية المشروع الأنتروبولوجي.‏

(انظر: Malaise dans la culture) (دار Ens- bana 1996,). تأتي هذه النظرة التأملية في الوقت الذي تتحول فيه العلاقة بعمق في كل أنحاء العالم، بين الأنتروبولوجيين والشعوب المدروسة، وهذا مهما كان نوع الاتنولوجيا الممارسة. وبهذا المعنى هناك وضع "ما بعد حداثي" في هذا المجال الدراسي.‏

النظرة إلى "ما بعد الحداثة" في فرنسا‏

لم تلق مسألة "ما بعد الحداثة" الاهتمام نفسه لدى علماء الاجتماع الفرنسيين مثل الذي لقيته عند زملائهم الأنجلو سكسونيين، لكن الكتاب الذين تناولوا هذا الموضع طوروا تحاليل أصيلة لمحاولة وصف عام لحالة المجتمعات المعاصرة المتطورة أو اتجاهاتها..‏

طور جون بودريار ـ Jean Baudrillard أستاذ علم الاجتماع بجامعة نانتير نظرة ورثت الوضعية النقدية الراديكالية لسنوات الـ 70 من القرن الـ 20, إنه ينطلق من فكرة أن العلاقات الاجتماعية محكومة بسوق الإشارات وليس بسوق الممتلكات المادية. يسيطر على المجتمع إنتاج وتبادل الإشارات "الرجراجة، الهفهافة، غير الثابتة ـ Flottant: ليست للدوال أية علاقات بالمدلولات. هنا يتدخل عاملان: الكثرة الزائدة عن الحد للخطابات/ الرسائل وغموض الصورة باعتبارها صيغة تمثيل غامضة بصورة خاصة. بنت الـ "صور الجماهيرية" وبصورة خاصة التلفزيون حسب بودريار عالماً من التظاهرات القابلة لأخذ كل أنواع الدلالات وفي نهاية المطاف لا دلالة على الإطلاق، تعدُّد الدلالات هذا ليس عاملاً من عوامل الحرية بل هو فخ وقعت فيه الأطراف الاجتماعية: في عالم من المظاهر لن تُمارَس أية سلطة حقيقية. أصبحت الحركة الاجتماعية السياسية والاقتصادية مستحيلة. هذه النظرة التي يسيطر عليها دور وسائل الإعلام الجماهيرية هي نظرة نقدية من حيث هي تنديد بميوعة الثقافة المعاصرة، وهي تشاؤمية من حيث أنها لا تستشف باباً للخروج من هذه الوضعية التي يعيشها المؤلف كنوع من النبذ(2) (انظر: Simulacres et Simulation) (دار 1981, Galilée).‏

في كتابه: عصر الفراغ ـ L,ere du vide (دار 1983, Gallimard) فسرَّ جيل لييبوفتسكي ـ Gilles Lipovetsky موضوعاتية ما بعد الحداثة وطور تحديدها الخاص بها للمجتمع المعاصر. إنه يصف الدخول في سنٍّ "ما بعد الحداثة" بأنه نتيجة للحداثة، وبصورة أخص من حيث أنها فرضت الفردانية. إنه يستعيد فكرة المؤرِّخ دانيال بال التي مفادها أن مبدأ اللذة وتعدُّد أساليب الحياة والتسارع القار لحاجات الإشباع قادت الإنسان الحديث إلى حالة من النرجسية المتقدِّمة، تترجمها ظواهر عدة: اللامبالاة، هجران الحقل الاجتماعي، المعالجة الساخرة للأمور، تهدئة العلاقات العادية وتنامي عنف الأزمة. كل المعتقدات عُوِضَت بالحاجة إلى إثارة الإعجاب أو بسخرية متحفِّظة. عصر الفراغ، كتاب فيلسوف أثار تعاليق كثيرة لدى علماء الاجتماع.‏

أخيراً تندرج أعمال ميشال مافيزولي ـ Michel Mafesoll من جامعة باريس ـ V، ضمن تيار سوسيولوجي تفسيري وذاتياتي. انضم مافيزولي إلى تأملات مفكري ما بعد الحداثة للاهتمام الذي يوليه لتحول الروابط الاجتماعية في العالم المعاصر. في كتابه: زمن القبائل ـ Le Temps des tribus (دار Livre de poche 1991) يبيِّن كيف أنَّ الروابط الجماعية (نسبة إلى الجماعة ـ المترجم) تنحو إلى الحلول محلَّ العلاقات التعاقدية. لكن لا يعني هذا العودة إلى الجماعات الواضحة بالمفهوم التقليدي، لكن بالانخراط في مجموعات لا شكل لها وغير منظَّمة تقوم على تقاسم الأذواق والأحاسيس والشبكات المحتملة التي تحدثها إمكانيات ووسائل الاتصال الالكترونية والمعلوماتية. يرى مافيزولي إذن حدوث تشظٍّ للمجتمعات دون إعادة تشكيل قار: مجتمع "القبائل" هو عالم يتوقف فيه الفرد عن الانتماء كلية إلى جماعة واحدة، بل هو متعدِّد ومتشظٍّ. تثمن هذه النظرة للمجتمع الانتقائية(3) نفسها التي نجدها عند المهندسين المعماريين "ما بعد الحداثيين" الذين تترك الوظيفية والعقلانية والمبادئ الكبرى عندهم المكان لـ "ترقيع" مطمئن. بعيداً عن التنديد بعصر انحطاط أو بتطور لا معنى له، يرى مافيزولي في هذا انعكاساً لتنافر الفرد وتغايره، تجاوزاً للفردانية.‏

الهوامش:‏

(1) ـ مجلة العلوم الإنسانية، 73، جوان 1997م، والكتاب المذكور أعلاه من ص 113 إلى ص117.‏

(2) ـ صحفي علمي في المجلة المذكورة.‏

(3) ـ مكلَّف بالدروس، كلية الآداب/ جامعة الجزائر.‏

(4) ـ Culturalisme مدرسة (أو اتجاه) انتروبولوجية أمريكية معاصرة تحاول تحويل طروحات التحليل النفسي الفرويدي باتجاه تحليل اجتماعي أكثر منه بيولوجياً.‏

(5) ـ من المنبوذ المتروك لحاله وبمعنى ديني: الـ dereliction هي حالة من تخلى عنه الله (المترجم).‏

(6) ـ الانتقائية أو التلفيقية ـ Eclectisme، مصطلح فلسفي يعني النسق المكون من مجموعة أفكار وعوامل مذهبية تنتمي إلى مدارس فلسفية مختلفة (المترجم).‏

(1) ـ مجلة العلوم الإنسانية، العدد 93، أفريل 1999م.‏

(2) ـرئيس تحرير مجلة "العلوم الإنسانية".‏

(3) ـ كما كتب ج.هـ . هال (J.H.Hall)، سنة 1879م.‏

(4) ـ مُترجَم في: C.S.Pierce, Textes anticartésiens, Aubier, 1984.‏

(5) ـ المرجع السابق.‏

(6) ـ ج.دولودال.الفلسفة الأمريكية. De Boek، 1993.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244