النقد الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد ـــ د.عبدالله أبوهيف

دراسة ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أما الناقد الأسلوبي والألسني بامتياز فهو عدنان بن ذريل، الذي ينظر إليه شيخاً للنقاد في سورية. فقد وضع أكثر من عشرين كتاباً نقدياً منذ الخمسينيات، غير أنه التزم، أو كاد، مشروعاً نقدياً ألسنياً بدأه رائداً ومجدداً في الثمانينيات، من خلال كتبه(1): «اللغة والأسلوب» (1980)، و«اللغة والدلالة» (1981)، و«اللغة والبلاغة» (1983)، و«النقد والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» (1989)، ثم عززه بكتابه «النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» (1995).

دعا ابن ذريل إلى التجديد باكراً، وقد كانت له صولات وجولات في التعريف بالرمزية والمنهج النفسي والتاريخي، وتشهد على ذلك مقالاته الكثيرة المبثوثة في الدوريات، وكتابه عن عبد السلام العجيلي: «دراسة وصفية نفسية» (1970). وفي السبعينات، اختار الألسنية وما مجاورها من اتجاهات حداثية فكتب فيها نظرياً وتطبيقياً، ولعل كتابه «مسرح علي عقلة عرسان» (1980) الجهد الأكبر الملحوظ في سياق تجربته النقدية التي صارت إلى إحاطة أوسع وأشمل وأعمق بهذا الخيار الفكري والنقدي، فقد شكّل ابن ذريل على مدار أربعة عقود من الزمن صوتاً منفرداً خارج سرب النقد الأدبي الحديث في سورية الذي جرفته الصراعات الأيديولوجية والتبشيرية.‏

ابتعد ابن ذريل عن الجماعات الثقافية والنقدية، لا سيما المتحزبة أو المؤدلجة منها، وحافظ على دور متوازن بين الصحافة والأدب، ونأى زج نفسه وقلمه في المعارك النقدية معتقداً أن من الأفضل له وللحركة الأدبية الناهضة في سورية أن يكتب نقداً ضمن مساره الخاص الذي شقّه شاباً. وأعني به تعريب النقد الأدبي الغربي الحديث وتأصيله في حركة الثقافة العربية المعاصرة. ومن الواضح أن شغله النقدي اعتمد على الدوام على مثل هذا التعريب، وليس مجرد الترجمة أو النقل مستنداً إلى خلفية متينة من درس التراث النقدي الغربي، ولا سيما البلاغي الذي سيطوره لتمثل إنجازات الحداثة النقدية التي دعا إليها مغلباً الاتجاه الألسني مع ميلٍ بنيوي وشكلاني واضح، وقد كان الاختيار واضحاً تقوى مع استغراقه في نقد السرديات، وهو ميدان تضاعفت أهميته الراهنة بتتويج فنون النثر القصصي على بقية الأجناس الأدبية بوصفها أكثر استجابة للعصر، ويتضح ذلك بجلاء في كتابه «النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق»، ربما بتأثير انصراف النقد الشكلاني والبنيوي إلى السرديات بالدرجة الأولى، وربما أيضاً بتأثير تعقيد السرديات قياساً إلى الأدب الغنائي أو الوجداني أو الذاتي حيث فنون النثر القصصي تلازم تعدد الحوار وتنوع الكلام وموضوعية الخطاب.‏

وسنلاحظ انصراف القسم النظري في هذا الكتاب إلى تحليل السرد والنص السردي: لغته، أسلوبيته، ملاشاته اللغوية، طرائق تحليله، بلاغته وإبلاغيته، منظوره السردي، نجواه وحواريته، الخ، أما التطبيق فلم يحظ فيه الشعر إلا بفصلين من أصل أحد عشر فصلاً، أحدهما للقصة وثانيهما للمسرحية، بينما كان هناك سبعة فصول للرواية.‏

أراد بن ذريل في كتابه الأخير أن يعرّف بطرائق المنهجية الألسنية في النقد الأدبي والأسلوبية، مركزاً من جهة على النص وخصوصيته، ومن جهة ثانية على الأسلوب وتفرده، فالنص هو المجال الحقيقي الذي تنعكس فيه الملامح الأسلوبية للكاتب المنشيء، كما الأسلوب هو الألق الشخصي لفرادة هذا الكاتب المنشئ.‏

خصص بن ذريل الفصل الأول لتعريف النص وفق مأثور النقد الفرنسي الجديد، و أعلامه البارزين كتودوروف وبارت وكريستييفا، موافقاً على أن النص هو لغته، لأن «تحولات اللغة الأدبية تمثل الممارسة الجدلية للذات داخل اللغة، وأن التاريخ هو مجموعة نصوص أكثر منه تاريخية دون لغة».‏

وفي الفصل الثاني «الأدبية والنص» انطلق بن ذريل من مأثور الشكلانيين الروس، ولا سيما شكلوفسكي على أن الأدبية (أي الخصائص التي تجعل من الأدب أدباً) هي محك النص ومحك دراسته، غير أن الشكلانية أو التعمق في بحث الخصائص الشكلية لا يكون بمعزل عن واقعه، وهذا ما جعله يخوض في الفصل الثالث في «البيئة الأدبية والأسلوبية» منطلقاً من مفهوم العلامة عند دي سوسور، إلى البنية الوظيفية عند «مدرسة براغ»، إلى الأسلوبية والأسلوب كزخرفة أو كدلالة ذاتية، أو كتمثيل، أو كنمط، لأن عمل المحلل الألسني كما يكتب، يقصر على «ربط النص» باللغة التي كتب بها، وبذلك تصبح «الأسلوبيات» دراسة مقارنة لأنماط التفضيلات التي يظهرها الكاتب في اختياره للغته، ضمن المصادر اللغوية التي في متناوله... أو بعبارة أخرى، تدرس الأسلوبيات تواترات الاختيار النسبية التي تميز لغة النص من لغة غيره، أي هي، بتعبير هاليداي، تطبيق للألسنية أكثر منها توسيع لها.‏

ثم درس بن ذريل في الفصل الرابع «ظاهرة الأسلوب ما هي؟» متتبعاً تعاريفه وما يثيره من قضايا تتعلق بالممارسة العملية ومجال الدلالات، فالممارسة العملية هي الفعالية منظوراً إليها في سياقها الحركي، وعلى الخصوص في الظروف الاجتماعية التي تعطيها «دلالتها» في عالم معاش فعلاً، وهكذا توقف ملياً عند تعددية «الشيفرة» والسنن والعلامات لأهميتها في فهم ظاهرة الأسلوب وتنظيمه للخطاب أو الرسالة، مميزاً بين البلاغة والأسلوب، ثم انتقل إلى تصنيف الأساليب عند بيير جيرو بالنسبة إلى طبيعة التعبير أو مصادره أو مظهره. ومن الواضح أن ناقدنا يوافق على هذا التصنيف، مما يثير أسئلة كثيرة حول استحكام ظاهرة الأسلوب للعلائق اللغوية أو البلاغية وحدها، ويجعل من البعد الدلالي في شبكة علاقات النص أمراً عصياً على تمثلها، وهو ما تتعمقه علاقات الأبنية التركيبية أو علاقات الأبنية الدلالية. على وجه الخصوص، حيث ينهض النص إلى أبعد من مستويات تركيبه اللغوي والبلاغي إلى تعدد قابليات تأويله أو انفتاحه على مرجعياته ومفرداته الغائبة.‏

ولعل هذا التركيز على المكون اللغوي أو البلاغي هو الذي قاده إلى تخصيص الفصل الخامس لبحث «البلاغة الجديدة» من خلال تنظير بيريلمان للتوكيد على الفعالية الدلالية، فلا تعود العلامات اللغوية تمثل الأشياء، بقدر ما هي تتحول نفسها إلى «أشياء»، فتحتل مكاناً في سلم القيم، كما تسهم في الشعائر، وبينما نجد «اللغة» في المجتمعات الديمقراطية ملكاً لكل الناس، وتتطور بحركة تامة، نجد أن اللغة في المجتمعات المترتبة يتم تجميدها، بحيث تكتسب طابعاً شعائرياً ومقدساً.‏

وللإجابة على أسئلة الأدبية إزاء الواقع، يفرد ناقدنا الفصل السادس لأسلوبية الرواية كما عالجها باختين طلباً لما تعكسه من علاقات اجتماعية وتاريخية هي شيء مما يعيشه الأبطال من تباينات، مجاوزة الشكلانية إلى فنية ما وراء الألسنية، حيث امتدادات القول الاجتماعية، وما ترتبها من مفاهيم نقدية وأسلوبية مثل «تعددية الأصوات» و«تصادم الأيديولوجيات» وغيرها، ويفيد ذلك أن باختين يتجاوز الشكلانية منذ كتابه عن «ديستويفسكي» المسمى «معضلات شعرية ديستويفسكي» (1929) متخطياً فنية الشكلانية الساكنة، أي اللغوية القديمة، فالرواية لا تتجه إلى جلاء وعي المؤلف في عالم وحيد فحسب، وإنما تكشف عن أنواع الوعي الأخرى للأبطال، واحداً، واحداً، بشتى عوالمهم، وهم يندمجون في وحدة حدث معين.‏

وهذا يعني أن البطل لم يعد مجرد موضوع يخص وعي المؤلف، بل هو وعي آخر، وأحياناً غريب، بما يفيد أن المؤلف هو الفاعل للكلام الفردي، أما النص أي الرواية فلم تعد انعكاساً لإيديولوجية وعي المؤلف، وإنما أصبح تصادماً لأيديولوجيات متنوعة، ذلك أن الفكرة في نظر باختين، حدث يجري حتى نقطة التلاقي التي هي الحوارية. إلا أن التفكير الإنساني لا يتحول إلى فكرة دون الاحتكاك الحي مع فكرة أخرى تتجسد في الآخر، وأيضاً أصوات الآخرين، والكلمة نفسها، أي القول الروائي، تسمح بذلك، لأنها تتكشف عن أنها مأخوذة من عدة أصوات، أو تأتي في تصالب عدة ثقافات، إلا أنها، كما يقول باختين، تكون في الأساس أيضاً كتابة بيضاء تهرب من جميع السماكات للعوالم، أو التي للدلالات الحافة، فتعيد للنظام اللغوي حريته وفنيته.‏

وفي مثل هذا الشرح يمضي ناقدنا في التعامل مع العامل الإيديولوجي للنص بما هو تحقق لغوي في السرد بالدرجة الأولى، مبيناً تطور فكرة الحوارية من الشكلانيين إلى إنجاز باختين مستنداً إليهم، حيث البذرة كانت موجودة عندها وتقوم على فهم خاص لانعكاس الواقع في الأدب. ويتوقف ناقدنا على عجل عند بعض من عالجوا ذلك التطور مثل فولوشينوف ومدفيدييف على أن الأدب يمثل الإيديولوجية في نظرهم، وهو شكل متميز لتجسد التفاعل الاجتماعي.‏

وقد تتبع بن ذريل قضايا أسلوبية الرواية بالنظر إلى بعدها «الأيديولوجي المجرد، أو بعدها الأيديولوجي الدعائي والتبشيري فقط كما في كتاب باختين التالي «الكلمة في الرواية» (1941) للإفصاح عن الأصالة الأسلوبية في الرواية، والخصائص المميزة للرواية، والنجوى والحوار فيها، ممهداً بذلك للتفصيل في أساس نظريته لفهم الرواية في خطين أسلوبيين، الأول خصيصته أحادية اللغة، والثاني الذي يدرج التنوع الكلامي في صلب الرواية موزعاً توزيعاً أوركسترالياً، ومتخلياً في كثير من الأحيان، عن «كلمة» المؤلف المباشرة، وإليه ينتمي أعظم ممثلي النوع الروائي في أوروبا الحديثة».‏

ثم شرح بن ذريل في هذا الإطار أنماط التحليل الأسلوبي والأسلوبية السوسولوجية مدخلاً لدرس «النص السردي وطرائق تحليله» وهو موضوع الفصل السابع. وفيه يمعن ناقدنا النظر والقول في العنصر اللغوي في التحليل البنيوي معالجاً قضايا النص الفردي، والقراءة والنقد والبويطقيا، والنمذجة السردية عند تودورف وبارت وجريماس وجينيت مشيراً إلى بزوغ علم السرد الذي غدا مكرساً مع جهود البنيويين ومن تلاهم، أو حذا حذوهم، أو انطلق من عصر ما بعد البنيوية.‏

وخصص بن ذريل الفصل الثامن لمصطلح «الملاشاة اللغوية» سواء أكانت تهديماً طبيعياً، تتكشف عنه لغة النص، أو طريقة تحليل لغوي للنص على سبيل التفكيك، ما دامت الملاشاة اللغوية ـ بتعبيره ـ تقوم على جدلية حميمية تكشف عن مركزية الذات، إذ إنها تتحرك في الذات، وبالذات، وضد الذات، أي هي مباشرة ذاتية لإمكانيات اللغة في التعبير، الأمر الذي يعطي الجملة قدرة تعبيرية لتكون «ابتداعاً عاطفياً» أو «ابتداعاً فكرياً»، كما يعطي النص قدرة تعبيرية ليكون مجال «تعددية الأصوات» ومجال «تصادم الأيديولوجيات» بعد ذلك. فيبرز ناقدنا طرائق التحليل المختلفة، كما عند جماعة «تل كل»، ويوضح خصوصية مصطلح «الملاشاة اللغوية» كالابتداء وضياع الذات وتخلخل النص وإعادة بنائه والصوت بوصفة ابتداءً «موقفياً» للوصول إلى خلاصة ذات دلالة عن صلة القول السردي بالمؤلف، حيث نجد أن المؤلف مبدئياً هو السارد التقليدي للنص، هو صاحبه وصانعه، صنع أنواله وصبغها بصبغة فكره وإيديولوجيته.‏

ويخصص ناقدنا بقية فصول كتابه للنقد التطبيقي على النحو التالي:‏

الفصل التاسع: رواية شكيب الجابري «وداعاً يا أفاميا».‏

الفصل العاشر: رواية هاني الراهب «الوباء».‏

الفصل الحادي عشر: رواية عبد النبي حجازي «المتألق».‏

الفصل الثاني عشر: رواية فاضل السباعي «ثم أزهر الحزن».‏

الفصل الثالث عشر: ديوان علي عقلة عرسان «تراتيل الغربة».‏

الفصل الرابع عشر: ثلاثية حنا مينة «حكاية بحار».‏

الفصل الخامس عشر: روايتا نبيل سليمان «الأشرعة وبنات نعش» (والأصح هما الجزءان الأول والثاني من رباعيته «مدارات الشرق)».‏

الفصل السادس عشر: ديوان فؤاد كحل «أزهار القلب».‏

الفصل السابع عشر: تجاوز المعيار في روايتين (هما «البلاغ رقم 9» لمسعود جوني و«الرجل والزنزانة» لوهيب سراي الدين)‏

الفصل الثامن عشر: مجموعة مالك صقور القصصية «الجقل».‏

الفصل التاسع عشر: مسرحية خالد محي الدين البرادعي «جزيرة الطيور».‏

وفي هذه الفصول التطبيقية جميعها يستند بن ذريل إلى إرث النقد الحداثي الذي تقصى بعض جوانبه في فصول كتابه النظرية، فيلتفت في نقده التطبيقي عن أدوات النقد التقليدي الشارح إلى الكشف عن بنيان النصوص وآلياتها الأسلوبية بمزيد من الإيجاز والتكثيف، باذلاً بعض العناية بتاريخية النصوص المدروسة، وموجهاً رأيه النقدي لاستطلاع الاستجابة المتبادلة بين النص وأسلوبيته نحو تبيين القول فيه ومستوياته، وخلل ذلك كله، وفي الأساس، تبيين جماليته، وهو يؤدي ذلك في اتجاهين، الأول: تعريفي ينزع نحو تبسيط المنهج النقدي وتقريب مصطلحه، وقد يدعوه ذلك إلى تكييف المنهج ومصطلحه لطبيعة النصوص العربية المدروسة، والثاني تقويمي متعاطف غالباً مع النصوص المدروسة. ولنأخذ كتابته عن رواية شكيب الجابري «وداعاً يا أفاميا» نموذجاً لنقده التطبيقي.‏

وتثير طريقة بن ذريل أسئلة كثيرة أشير إلى أهمها، وهو الموقف من تعريب المناهج النقدية الغربية داخل الصراع بين التبعية والتأصيل، وكأنه لا يقرّ بمثل هذا الصراع معترفاً بمكان رئيس للمثاقفة في الجهود القائمة بتأصيل النقد العربي الحديث، على أن تراث الإنسانية تراث مباشر ومتصل للنقاد العرب المعاصرين، إذ لا جدوى كبيرة من مماحكة شؤون الهوية الثقافية، لأنه، وهو يكتب فصول كتابه النظري، يدرج إسهامات نقد الحداثة الغربية وما بعدها في حركة الثقافة العربية ببساطة، بل إنه يورد تطبيقات جزئية أو إلماحات مقارنة لها مع الثقافة العربية والإبداع العربي الحديث أو علم البلاغة العربية، وهذا كثير في متن الفصول وفي الهوامش والإحالات لكل فصل، وهي تطبيقات وإلماحات في غاية الأهمية.‏

ومن الأسئلة أيضاً، تجنب بن ذريل لمسائل انتشار هذه المناهج النقدية الغربية، وتأثيرها في النقد العربي الحديث، كما أنه غير معني بتكوين هذه المناهج في بيئتها وفي الثقافة الحديثة، وأذكر على سبيل المثال، أنه تحدث عن باختين مستخدماً إنجازه النقدي دون معالجة الإشكاليات الكثيرة التي رافقته أو تلته، فمن المعروف أن باختين عني باللغة بالدرجة الأولى، وتلمس الإجابة في كتابه المبكر «الماركسية وفلسفة اللغة» (1929) منطلقاً لمنهجه في نظرية الأدب، ولا سيما نظرية الرواية، وأن بحثه في لغة الرواية وأدبيتها أو شعريتها كما شاع عند الكثيرين، لم يجد أجوبته المحددة في بحثه عن ديستويفسكي، مما دعاه إلى العناية «بأشكال الزمان والمكان في الرواية» (1938) أي حركة التاريخ. أما ناقدنا فقد تجنب هذه الإشكاليات على أن نظرية باختين ناجزة وقابلة للتطبيق، ولا فائدة من المماحكة.‏

وثمة سؤال آخر هام حول تعريب المصطلح النقدي، فعلى الرغم من جهود ناقدنا الشيخ بن ذريل في هذا المجال، فإنه غالباً ما يورد المصطلحات بلفظها الأجنبي، وهذا أمر يحتاج إلى رأي وتفسير لأنه لا يستقيم مع جهوده الريادية الكبيرة التي أشرنا إليها من قبل، ومجموعة كتبه عن علم الجمال والمسرحية والموسيقى والفنون الشعبية، وقد زاد عددها على عشرة كتب، وهي واضحة أيضاً في كتبه الفلسفية ولا سيما الفكر الجدلي والفكر الوجودي، مثل «البعد الروحي في تفسير الوجود والزوال» (1971)، و«الفكر والمعنى في تفسير جدلي للمعرفة» (1971)، و«ظواهرية الوجود الجدلي: دراسة وجودية في النقيض» (1972)، و«التفسير الجدلي للأسطورة» (1980)، و«الفكر الوجودي عبر مصطلحه» (1985)، و«الأرجوزة في الوجود والعدم» (1990).‏

على أن هذا كله، وربما لهذه الأسباب، يؤكد في الوقت نفسه، أهمية شغل بن ذريل في تطوير النقد الأدبي العربي الحديث، وفي تطوير الإبداع العربي الذي يتجه إليه هذا النقد، لأن من فضائل ناقدنا عنايته الفائقة بتعريب المناهج النقدية الغربية كما هو الحال مع الألسنية والأسلوبية وإدراجها في سياق النقد العربي الناهض من جهة، وعنايته الفائقة بنقد الإبداع العربي الحديث بروح إيجابية تكشف عن المستوى المتقدم والمضيء للأدب العربي الحديث من جهة أخرى.‏

2-3- البنيوية:‏

لم تستقر البنيوية على حال، ولم تستقم في مذهب أدبي ونقدي محدد، فهو منهج قابل للاغتناء والتطوير، أي أنه طريقة للدرس والفهم، وليست مبادئ فكرية(2)، ولذلك لا ينتظم ظهور البنيوية مسارات محددة متساوقة، بل هي أشبه بطفرة عمقها مجموعة مفكرين ونقاد، وحاولوا جهدهم أن تكون بمنأى عما التصق به من نظرة «الموضة»، فتلونت بجهودهم الفكرية، ولا سيما رولان بارت وكلود ليفي شتراوس وميشيل فوكو وجاك لاكان وجاك دريدا، فصار ثمة بنيويات مالت إلى ميادين معرفية ومنهجية أخرى مثل البنيوية الإناسية عند شتراوس، والبنيوية الدلالية عند بارت (في بعض أعماله)، والبنيوية التفكيكية عند فوكو ولاكان ودريدا، ولا يخفى أن غالبية هؤلاء البنيويين، باستثناء بارت، لا يسعدهم أن ينضووا تحت لواء اتجاه يحدّ من تفكيرهم، غير أن الأساسي في البنيوية، منهجاً نقدياً، هو عنايتها بالشكل، وبالبنية، وبالتحليل اللغوي للنص، وبنظام العلامات الكلي، غير أن هذه العناية التي تروم للمنهج البنيوي أن يحقق مستوى علمياً يستوعب إشكالات ثنائية الذات والموضوع من جهة، والمعنى أو الدلالة من جهة أخرى، هو محط النقد الشديد الذي واجهته البنيوية، فعانى المنهج معاناة شديدة من الولوغ في الشكلانية وإغراءات التحليل اللغوي المتحكم في بنية النص.‏

على أن البنيوية لم تكن نقية في ممارستها لدى النقاد والباحثين العرب أيضاً، ولربما انطبعت هذه الممارسة بالتزامات هؤلاء النقاد والباحثين أنفسهم في ظل غلبة الاتجاه الواقعي بالدرجة الأولى، مما دفع الكثيرين إلى تكييف مناهجهم «البنيوية» أو تعديلها كما هو الحال مع يمنى العيد (لبنان) ومحمود أمين العالم (مصر) ونبيل سليمان (سورية)، ممن كانت لهم ممارسة نقدية إيديولوجية صريحة، هي الواقعية الاشتراكية والماركسية في مظاهرها الأكثر تشبثاً بالنمذجة والانعكاس والتحزب والتماهي بين عقيدة المؤلف والمنظور السردي أو وجهة النظر.‏

وليس بمقدورنا أن نورد أسماء النقاد والباحثين العرب الذين أخذوا عن البنيوية وتمثلوها كلياً أو جزئياً، أو مازجوها باتجاهات أخرى، ولعلنا نذكر نماذج لهم، فثمة العشرات الذين عنوا بالبنيوية التكوينية استفادة من منهج لوسيان جولدمان، كما هو الحال عند خالد الغريبي (سورية) في كتابه «التناقض والوحدة في رواية المستنقع لحنا مينه» (1995) وحسني حسن (مصر) في كتابه «يقين الكتابة: إدوار الخراط ومراياه المتكسرة» (1996). اعتمد الأول على تراث النقد الماركسي، ولا سيما لوكاتش، وعلى فهم حنا مينه لنظرية الرواية وممارستها، ومزج ذلك بشيء من بنيوية في مظاهرها الأبسط، واعترف بعلاقة الجانب المضموني للرواية بالتقنية الروائية، مثل تفاصيل الحدث وتركيبة الشخصية وصيغ التعبير والبناء الفني(3)، بينما استغرق الثاني في الشرح المضموني، مستعيداً تصريحات الخراط وآراءه النقدية داخل عناية أقل بالبنية الروائية معولاً على شيء من النقد الاجتماعي المتطور عند جولدمان، مثل تمييزه لمستويات الواقع المتداخلة والمركبة، وهي الواقع الوقائعي، والواقع الحدثي، والواقع الحلمي، والواقع الأسطوري، ومجاوزة الواقع(4).‏

بينما صرح نقاد آخرون بانتهاجهم البنيوية التكوينية في مقارباتهم النقدية أمثال محمد عزام (سورية) في كتابه الأخير «فضاء النص الروائي: مقاربة بنيوية تكوينية في أدب نبيل سليمان» (1996)، على أنه، في الوقت نفسه، يمتح من معين التحليل الشكلاني للرواية والتحليل البنيوي للسرد (ويسميه التحليل البنيوي للرواية)، تمهيداً لإظهار العلاقات العميقة والسطحية بين داخل النص وخارجه فيما أزمعت البنيوية التكوينية على التصدي له، استيعاباً للمفاهيم الأساسية لسوسيولوجيا الأدب عند غولدمان كالبنية الدالة ورؤية العالم والرؤية المأساوية والوعي إزاء الواقع الاجتماعي، والوعي الممكن؛ وهي المفاهيم الأساسية التي طبقها الأخير منهجاً نقدياً بنيوياً تكوينياً في دراسة الآثار الأدبية والفكرية لراسين وباسكال وكانط ومالرو وسارتر وغيرهم، رافضاً كل نزعة ذرية تريد أن تفهم الأعمال الأدبية بالوقوف عند جزئياتها، ومحاولاً إدراك المجتمع في كليته، ورابطاً ما هو اقتصادي بما هو سياسي، بل وحتى بما هو أدبي وفني، ومكتشفاً العلاقات الوظيفية بين المؤسسات الاجتماعية والأعمال الأدبية، ومتبنياً مفهوم الكلية الذي يرى أن التجربة المجتمعية والتاريخية في كليتها تتكون وتتكشف عن ذاتها من خلال الممارسة الاجتماعية. والكلية عنده هي مجموع الوقائع التي نعرفها، والأحداث التي ننتجها، وليست كلاً متعالياً عن المجتمع والتاريخ كما كانت لدى هيغل مثلاً»(5). أما تطبيقه للمنهج فكان انتقائياً تجزيئياً، إذ عالج وجهة النظر (المنظور الروائي)، والبطل الروائي (الشخصية الروائية)، وبنية المكان، وبنية الزمان، ثم انتقل لدراسة الفضاء السوسيولوجي للرواية (نحو قراءة خارجية للنص الروائي).‏

وتظهر شهوة مجاراة البنيوية واللحاق بها، واستعمالها كلياً أو جزئياً لدى الكثيرين لثرائها المنهجي، كما في دراسة سمر روحي الفيصل (سورية) الأخيرة «بناء الرواية العربية السورية 1980-1990» (1995)، فقد صرح أنه استند في كتابه إلى منهج نقدي محدد، «هو المنهج البنيوي الشكلي، وخصوصاً السرديات التي بدأ اتجاهها يتضح في سبعينيات القرن العشرين»، ورأى أنه بغنى عن توضيح البنيوية، لأن مراجعها مبذولة، وعلاقاتها بالأسطورة وعلم النفس والتاريخ والأدب والنقد الأدبي معروفة»(6).‏

ويلاحظ أن الفيصل اقترب كثيراً من مصطلحات علم السرد في تحليله البنيوي سواء المفهوم البنيوي للروائي: الراوي والرؤيا، أو بناء الشخصية الشخصية، أو بناء الزمن الروائي، أو بناء المكان الروائي، أو بناء السرد الروائي، وكان أنعم النظر في هذه المصطلحات وطبقها على الرواية العربية السورية في فترة بحثه، ثم قام بمحاولة تركيب لبناء هذه الرواية، مما يؤكد حسن استثماره للمنهج البنيوي، وتطويره ليتمثل بعض إنجازات علم السرد.‏

ولكننا نقع على استخدام أبسط وتثمير أقل لمعطيات المنهج البنيوي لدى نقاد كثيرين مثل عدنان خالد عبد الله (العراق) في كتابه «النقد التطبيقي التحليلي» (1986) ومحمد نديم خشفة (سورية) في كتابه «جدلية الإبداع الأدبي: دراسة بنيوية في قصص عبد السلام العجيلي» (1990)، وعبد الحميد بورايو (الجزائر) في كتابه «منطق السرد: دراسات في القصة الجزائرية الحديثة» (1994).‏

وضع عدنان خالد عبد الله عنواناً آخر لكتابه هو «مقدمة لدراسة الأدب وعناصره في ضوء المناهج النقدية الحديثة»، أما المناهج النقدية الحديثة فهي:‏

المدارس التي تتعامل مع النص على أنه كيان لغوي قائم بذاته، ومنها الشكلانية الروسية Russian Formalism، والنقد الجديد New Criticism والنقد السياقي Contextual Criticism، والبنيوية Structuralism، والنقد اللغوي الذي يستند إلى التطورات الحديثة في علم اللغة أو اللسانيات، ويحاول تطبيق اكتشافاتها على النصوص الأدبية.‏

المدارس التي تتعامل مع النص كظاهرة حضارية، وهما النقد الماركسي، والنقد الاجتماعي.‏

المدارس التي تتعامل مع النص كاستجابة جمالية، مثل الظاهراتية Phenomenology والمدارس النفسية، والمدرسة الذاتية Subjective Criticism، والمدارس النقدية التي تعنى باستجابة القاريء.‏

وعلى الرغم من العمومية والنبرة الإطلاقية في الحكم على المدارس النقدية، كأن يعد النقد التكاملي Eclectic هجيناً من حيث عدم التزامه بأية مدرسة معنية، والحال ليس كذلك، فإن توكيده على أمر «البدء بالنص وليس الانتهاء به»(7) في المناهج النقدية الحديثة مما يحمد عليه.‏

خصص عدنان خالد عبد الله باباً للفن القصصي، قاصداً الرواية والقصة القصيرة، واستفاد من الدراسات المبكرة للسرد في النقد الأنجلوسكسوني، مشيراً، على عجل، إلى بعض نظرات البنيوية في تحليل السرد دون أن يسمي ذلك. ومن الواضح، أن كتابه مبكر، ويعتمد مرجعية النقد الإنجليزي التقليدي وبعض اكتشافات النقد الجديد في ميدان السرد.‏

بينما استغرق محمد نديم خشفة منذ الصفحات الأولى في كتابه في موضوع واقعية القصة أو مرجعيتها الواقعية، وعرض المناهج النقدية بابتسار، ليأخذ بالبنيوية، بما هي الوصول إلى حالة علمية في التعامل مع النص، «فلا يقحمون عليه عناصر خارجة عنه، ولا محيطة به»، غير أن تحليله البنيوي يفقد اتساقه عندما يطلب الإحاطة «بالسيرة الذاتية للمبدع نفسه ودراسة أثرها في توجهاته الفنية وأغراضه الأدبية»(8).‏

ويطلب أيضاً الإحاطة بتاريخ الأفكار للبيئة التي نشأ فيها وتبادل معها التأثر والتأثير. وهكذا، رأى دراسته «محاولة لمعرفة التوجهات الفكرية في قصص العجيلي، والعلاقة الممكنة بين نصوصها ومعطيات البيئة الاجتماعية والثقافية من خلال مقاربة بنيوية تهدف إلى تفكيك آليات العمل الأدبي ثم إعادة تركيبها، لاكتشاف العلاقة المحتملة بين تلك التوجهات وبين المعمارية القصصية المعبرة عنها، لأن ارتباط الأشكال بمضامينها يتراءى لنا من خلال علاقة جدلية»(9).‏

وعني عبد الحميد بورايو بالخاصية الأدبية للنص الأدبي، أما مناهج العلوم الأخرى مثل علم النفس والتاريخ والجمال فقد «فتحت المجال أمام ركام من الكتابات النقدية التي ظلت تحوم حول النصوص عاجزة عن استكناه أسرارها ومعرفة حقائقها. وعوضت هذا العجز عن طريق مسائل عامة تتعلق بفلسفة الفن، وبالمجتمع، وبالنفس الإنسانية، وبالتاريخ، وبالسير والتراجم والبيئة.. الخ»(10).‏

ثم عمد بورايو إلى التزام المنهج البنيوي في مستواه المبسط، وعرض جذوره في الشكلانية الروسية، ولا سيما إرث بروب، وما بعدها، مثل شتراوس وجريماس وتودروف وكلود بريمون، ومن المعروف أن شغل هؤلاء جميعاً لا يندرج في بنيوية خالصة، ولعل مرد ذلك إلى أنه جمع بين التحليل الشكلاني والبنيوي للشكل القصصي على أنهما شيء واحد، وعزا الاختلاف بين الباحثين الغربيين إلى المادة التي اتخذوها مجالاً لتطبيق المنهج قصد تعديله وإثرائه، فهم يتفقون في عدة مبادئ حددها كلود بريمون، برأيه، في مقدمة كتابه عن «منطق القصة Logique du Recit»: «التمييز بين مستويين بنيويين للقصة، يتعلق أحدهما حسب اصطلاح جريماس بالمستوى الكامن للبنيات السردية، ويتعلق الآخر بالمستوى الظاهر للبنيات اللغوية، وحسب اصطلاح تودروف يتعلق بالتضاد بين التاريخ والخطاب، وعندنا يتعلق بتفرع القصة المروية والقصة الساردة.‏

- الإيمان بإمكانية أداء الحوادث المروية في متواليات للأحداث (وظائف بروب) حيث بعضها على الأقل يستطيع أن يأخذ مكانه في معجم للمفردات الشاملة للسرد. وكذلك الإيمان بإمكانية استخراج قواعد تركيب هذه الوحدات، في قواعد شاملة أيضاً»(11).‏

وإذا نظرنا إلى تواريخ كتابته النقدية، وبعضها يعود إلى أواخر السبعينيات، نجد أن بورايو من أوائل الذين عرفوا بالبنيوية متداخلة مع مناهج أخرى، ثم طبق ذلك في مقارباته حول القصة القصيرة والرواية الجزائرية.‏

وحظيت أشكال مزاوجة البنيوية بالعلامية أو الدلالية أو السيميائية باهتمام عدد كبير من النقاد والباحثين العرب، وإن بدت مثل هذه الممارسة النقدية أشبه بالطفرات، أو لم تظفر بالالتفاف حولها في جهد شامل أو كامل، وثمة اختلاف في المرجعية النقدية الغربية من جينيت إلى امبرتو ايكو، إلى تودورف إلى كلود بريمون، إلى رولان بارت، إلى باشلار إلى آخرين، وأذكر أمثلة لهذه الممارسة النقدية، وهم عبد الفتاح إبراهيم (تونس) في كتابه «البنية والدلالة في مجموعة حيدر حيدر القصصية الوعول» (1986)، وفريد الزاهي (المغرب) في كتابه «الحكاية والمتخيل: دراسات في السرد الروائي والقصصي» (1991)، ومحمد عزام (سورية) في كتابه «النقد والدلالة: نحو تحليل سيميائي للأدب» (1996).‏

وضع عبد الفتاح إبراهيم كتابه أطروحة جامعية عام 1981، وطبعها دون تحوير، ولكنها ما تزال ساخنة وراهنة في تطبيق البنيوية الدلالية على مجموعة قصصية واحدة. وتشير الأطروحة إلى جرأته ونفاذ بصيرته ومقدرته على تعريب المنهج وتداوله، فصاغ أطروحته على قسمين: الحكاية باعتبارها خرافة، والحكاية باعتبارها خطاباً، وهذا هو منطلق البنيوية وعلم السرد في الوقت نفسه، واعتنى بالرمزية والشاعرية في المجموعة، ليوضح العالم القصصي وقيمته بعد ذلك.‏

شرح إبراهيم المصطلحات البنيوية والسردية، مثلما فعل آخرون، وإن خالطتها نبرة ألسنية في بعض المواقع كما في قوله:‏

«إن حيدر حيدر لم يستغل هذه العلاقة الممكنة بين الراوي والمروى له، وما تتيحه من تعديد مستويات الرواية، فجاءت الرواية مباشرة من راو ـ كاتب (حتى وإن وردت على لسان المتكلم الفرد) إلى مروي ـ له قارئ، وفي هذا توكيد لما ذكرنا من قلة اهتمام القصاص بعملية التلفظ بالقياس إلى اهتمامه بالملفوظ»(12).‏

وتبرهن كتابة فريد الزاهي النقدية إلى الاستغراق في المناهج الحديثة، ولا سيما البنيوية الدلالية، وإلى التمثل المتعدد المستويات لقراءة المتخيل: «لكل نص تخييله الخاص، به يقوم، وعلى صوغه ينهض في تميزه وقراءته. لكن نصوصاً معينة (ومن سجلات سيميائية مختلفة) تختار ـ بوعي أو بدون أن تتواطأ فيما بينها كي تبنى معالم حكاية لها نمطها الخاص: حكاية تكتب نفسها كتخييل لا كواقع أو وهم واقعي، متمفصلة حول حركاتها مفكرة لذاتها، ومعلنة نفسها ككتابة للحكاية، وكحكاية للكتابة. تتجسد الحكاية إذن ولا تضيع في موضوعها وفضاءاتها. تستعلن وهي تمارس وجودها، تمظهر الدال نفسها في المدلول، وتنفي أي تعال ماهوي للفكرة والحدث والمغزى. وهي بذلك لا تغمط حق الحدث أو المدلول، إنما تجعل منه أيضاً فرصة دائمة للصياغة ـ الكتابة»(13).‏

أراد الزاهي لكتابته أن تنعش ذاكرة النقد بمداراة عسر الهضم، عسر القراءة الناتج عن ذلك وتجاوز التضخم النظري عبر السيولة النقدية ذات الرصيد القرائي الملموس والحركي. ولعله بادر إلى تحقيق سعيه، وقد التفت عن الشروح النظرية منغمراً بأعراف التحليل البنيوي الدلالي.‏

غير أن كتاب محمد عزام يوضح مدى حضور البنيوية الدلالية في تطلع النقاد العرب إلى استيعاء هذا المنهج النقدي الثر. إنه مواكبة دؤوبة من مؤلفه للاتجاهات النقدية الجديدة، فقد جاء كتابه عن النقد والدلالة إثر كتب كثيرة عن مناهج أخرى مثل «الأسلوبية منهجاً نقدياً» و«التحليل الألسني للأدب»، وألمحنا إليهما من قبل.‏

عدّ عزام السيمياء «أحدث منهج نقدي انتشر بعد انحسار البنيوية، فقد بات التعريف به ضرورياً، ليس في أصوله الفكرية ونظريته النقدية فحسب، بل وفي تطبيقاته العملية أيضاً»(14). إن ثمة مبالغة في تقدير المؤلف حول انحسار البنيوية أو مدى نقاوة هذه المناهج الحديثة ذاتها، كما تظهر في هذا الكتاب، على وجه الخصوص، حيث التداخل الواضح بين البنيوية والسيميائية.‏

ويلاحظ أن مزج البنيوية بالعلامية أو السيمائية غالب على أقلام النقاد والباحثين العرب، الذين عمدوا إلى تثمير طاقات التأويل في النص الأدبي، ومن ثم في التخييل السردي. وبدأ مثل ذلك سعيد علوش (المغرب) في محاولته التنظيرية في كتابه «هرمنوتيك النثر الأدبي» (1985)، مستعيناً بالمناهج النقدية الحديثة، فافتتح كتابه بكلمة مفتاحية لفوكو:‏

«لا يوجد موضوع من موضوعات التأويل، إلا وقد أول من قبل، بحيث تقوم علاقة التأويل على عنف، بقدر ما هي علاقة توضيح وكشف. ومن هنا لا يكتفي التأويل، بالكشف عن خفايا مادة التأويل، التي تمنح نفسها بشكل سلبي وانفعالي، بل يستحوذ التأويل بعنف على تأويل آخر، سابق عنه، فيقبله لكي ينزل عليه ضربات عنيفة»(15).‏

تقصى علوش المكونات الهرمنوتيكية للنثر الأدبي في الكلمات والأشياء، والحقيقي المنهجي، والظاهراتي والأبستمولوجي، والدائرة الهرمنوتيكية، وثنائية السخرية، وجدلية اللعب والرمز، والألفة والغرابة، والتأويل والتفسير، والمستنسخات الهرمنوتيكية. وقد غلب على هذا التقصي نبرة توليف «تنظيري» لمنهجية تأويلية، مستخدماً ما توصل إليه السيميائية واللسانية والظاهراتية للكشف عن دلالات النص المسكوت عنها من أسطرة وسواها قبل الواقعي، العياني، المشخص. على أن جهد علوش منقول يفتقر للتوثيق، والبرهنة، لأنه لا يمضي بتنظيره إلى التطبيق على النصوص، ولأنه لا يوثق مراجعه، إذ لا يكفي أن تضع قائمة بمراجع الموضوع في نهاية الكتاب، وكأن ما ورد داخل المتن تأليف كله!.‏

وخصصت مجلة البلاغة المقارنة «ألف» (القاهرة ثم الدار البيضاء) أحد أعدادها «للهرمنوطيقا والتأويل»، بوصفها «الفرع المعرفي الذي يتناول التفسير والتأويل، قديمه وحديثه في آن واحد، ففي الماضي كانت تدور حول النصوص المقدسة، أما الآن فأصبحت تعنى بنوعيات مختلفة من النصوص. ويتمثل إحياء هذا الفرع المعرفي في انتشار نطاق فاعليته من نصوص مقدسة بعينها إلى أنواع كثيرة من الخطاب العلماني»(16).‏

وذكر محرر العدد المذكور أن تاريخ الهيرمينوطيقا في مجال الثقافة العربية، ما يزال في دائرة الدور الاجتماعي، ونادراً ما اهتمت بتحليل تعقيد عملية الفهم وأبعادها. وإذا كانت الهيرمينوطيقا قد أسهمت في الغرب في دحض الأسطورة، فربما يصلح القول، برأي المحرر، بأنها عملت في العالم العربي على قهر الاستعمار في الفكر. وينبغي أن يفهم الاستعمار في إطاره الأعمق والأعم، ولا يختلف تشخيص وضعية الدراسات الهيرمينوطيقية عن المواد التي حواها العدد، فليس ثمة بحوث نقدية أو تعنى بالنقد الأدبي، نظرياً أو تطبيقياً، وإنما هناك دراسات حول الهيرمينوطيقا في النص الديني والثقافي، مثل قراءة النص بعامة، والتفسير القرآني: توالد النصوص وإشباع الدلالة، والتأويل في كتاب سيبويه، وتصور الحب والنور عند زوار السيدة زينب بالقاهرة، وبول ريكور وإشكالية ثنائية المعنى.‏

إننا لا نقع على جهود نقدية معتبرة في استعمال المنهج التأويلي، نظرياً أو تطبيقياً، لأن الميل أوضح باتجاه تطعيم البنيوية بالعلاماتية أو السيميائية أو الدلالية بتعبير عشرات النقاد والباحثين، وقد اخترت مثالاً لهم محمد الحسن ولد محمد المصطفى (موريتانيا) في كتابه «الرواية العربية الموريتانية: مقاربة للبنية والدلالة» (1995)(17). وقد عمدت إلى هذا الاختيار لأسباب ثلاثة أوجزها فيما يلي:‏

يتعلق السبب الأول بحال الأدب العربي في موريتانيا الضارب في التقليدية (الاتباعية)، والمتجذر في تقاليد الأدب العربي، ولاسيما الشعر، فقد ساد الشعر الاتباعي، ومعه الشعر الحساني (الشعبي)، ميادين الأدب الموريتاني حتى منتصف القرن العشرين، أو بعده بقليل. أما الأجناس الأدبية الأخرى، مثل المسرح والقصة القصيرة والرواية فجرى الالتفات إليها خلال العقود الثلاثة.(18)‏

ويتصل السبب الثاني بقلة الروايات الموريتانية المكتوبة، سواء بالعربية أو بالفرنسية، أو لنقل، ندرتها، فهناك رواية واحدة بالفرنسية لموسى ولد ابنو «الحب المستحيل» (باريس 1990)، وثمة خمس روايات بالعربية، هي «الأسماء المتغيرة» للشاعر أحمد ولد عبدالقادر (بيروت 1981)، و«القبر المجهول أو الأصول» للشاعر نفسه (الدار البيضاء 1986)، و«أحمد الوادي» لماء العينين ابن الشبيه (أبو ظبي 1987)، و«القنبلة» لأحمد سالم بن محمد مختار (نواكشوط 1993)، و«مدينة الرياح» لموسى ولد ابنو (بيروت 1996)(19).‏

ولعل السبب الثالث هو باعث المفاجأة أكثر من السببين السابقين، إذ إن الناقد الموريتاني محمد الحسن ولد محمد المصطفى كتب نقده للرواية الموريتانية وفق منهج حديث، هو مزيج من البنيوية والسيميائية (العلامية)، مما يؤكد وحدة الأدب العربي، وعمليات نقده، بتنوعه من قطر عربي لآخر، من بيئة ثقافية عربية لأخرى، ولافرق في هذا المجال بين عاصمة ثقافية كالقاهرة أو تونس أو بيروت، وبين مدينة عربية على الأطراف كنواكشوط، أو صنعاء (وثمة نماذج متطورة للاتجاهات الجديدة في نقد القصة والرواية في هذه الأقطار العربية.. الخ).‏

ولعلنا ننظر في هذا الشغل النقدي للناقد الموريتاني في نقد الرواية الموريتانية، (ولربما كان بالأصل أطروحة جامعية!) لالتزام مؤلفه بحاجات البحث العلمي ومقتضيات المنهج الذي يقاربه.‏

ينطلق ولد محمد المصطفى من الاقرار بأن الأدب العربي الموريتاني جزء لايتجزأ من نهر الأدب العربي الكبير، سائر في ركبه عموماً، يتقاطع معه في الهموم، ويسير معه في التجديد الفني حيثما سار دون أن يفقد أصالته الخاصة، كأي أدب عربي في أي قطر يتسم بسمات تخصصه بقدر ما تحضر فيه معالم عامة تؤكد انضواءه في سياق الهوية العامة(20). ويلاحظ، فيما يلاحظ، أن اقبال الموريتانيين متأخرين على كتابة الرواية لاينفي التطور المنسجم لحركة التأليف العربي، فقد بدأت الرواية الموريتانية أكثر نضجاً، أو مستفيدة من النضج الذي وصلت إليه في بعض الأقطار العربية الأخرى، وقد ظهرت أول رواية عام 1981، وخلال قرابة عقدين من الزمن طبعت خمس روايات فقط، وشهد هذا المآل ظاهرة مشتركة بين أقطار المغرب العربي، هي تحول كاتب روائي فرانكفوني من الكتابة بالفرنسية إلى الكتابة بالعربية، هو موسى ولد ابنو، الوحيد الذي أصدر روايتين بالفرنسية، ثم بادر، أسوة برشيد بو جدرة، إلى الكتابة بالعربية.‏

وذكر ولد محمد المصطفى في مقدمته أن ثمة نقداً روائياً لهذه التجارب الروائية اقتصر على بعض المقالات العلمية والصحفية، مثل رسالة محمد ولد عبد الحي الجامعية لنيل شهادة البحث المعمق من الجامعة التونسية، وفيه تناول نقدي لمظاهر التجديد في الأدب الموريتاني الحديث (القصة، الرواية، الشعر، المقال النقدي)، وخلا تلك الرسالة مقالات صحفية في جريدة «الشعب» اليومية التي ظلت المنشور الأساسي الوحيد حوالي عشرين عاماً، أي أن نقد الرواية ضعيف، لذلك قال ولد محمد المصطفى متأسياً: «باستثناء ذلك فإنه لم يصل إلى علمنا شيء آخر كتب عن الرواية الموريتانية مما يعتد به من الناحية العلمية»(21). غير أن هذا الحكم ينطبق على مانشر داخل موريتانيا، لأن ثمة مقالات ومراجعات كثيرة كتبت عن الرواية الموريتانية في الدوريات العربية، ولاسيما رواية «الأسماء المتغيرة». وبهذا المعنى أيضاً، فإن هذا العمل النقدي لولد محمد المصطفى هو الأول والأكمل عن الرواية الموريتانية.‏

اعتمد ولد محمد المصطفى في نقده على المنهج البنيوي في تحليل الخطاب الروائي: وصف السرد وتحليله، والزمن، والأحداث، والمكان، والشخصيات صفاتها وأنماطها، والقضايا التي شكلت المرتكز الأساس لهذه الروايات، مع عناية أقل بالمنهج العلاماتي (السيميائي). وهو تطبيق خجول إلى حدّ ما، لأنه يختلط غالباً في بعض المواقع بالمنهج التقليدي الشارح والمفسر للروايات. وقد وزع ولد محمد المصطفى كتابه إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، بالإضافة إلى ثبت المصادر والمراجع، هي:‏

حول المهاد النظري للرواية الموريتانية.‏

البناء الفني في الرواية الموريتانية (الحبكة والسرد، الزمن، المكان، الشخصيات، الحوار).‏

البعد الدلالي في الرواية الموريتانية.‏

أوجز ولد محمد المصطفى، وحسناً فعل ذلك، القول في المهاد النظري والتاريخي للرواية العربية الموريتانية، مشيراً إلى المجتمع الموريتاني، والعرب الحسانيين، والزوايا، والغارمين (فئة مستضعفة)، والخراطين (العبيد المحررون والمغنون والصناع)، لينطلق بعدئذ، إلى مفهوم الرواية الموريتانية وسماتها العامة، من خلال إلماحات تاريخية إلى إطارها العربي ونشأتها الفنية في مصر، وتلا ذلك إلماحات إلى الرواية في موريتانيا، ولاحظ أن روايتي أحمد ولد عبد القادر تندرجان في مفهوم الرواية التاريخية، بينما رد الرواية الثالثة «أحمد الوادي» إلى تيار الواقعية الرمزية، والرواية الرابعة «القنبلة» إلى تيار الرواية الأيديولوجية، وهي الروايات الأربع التي عالجها.‏

وجه ولد محمد المصطفى عنايته للبناء الفني في الرواية الموريتانية، وتطرق أحياناً إلى مصطلحات الخطاب الروائي، ومازج ذلك كّله بشيء من الشرح أو التفسير مما يلازم النقد الروائي التقليدي. إن المستوى الغالب على نقده هو النقد الشارح وصولاً إلى تبين البناء الروائي أو الفني، فقد احتل، على سبيل المثال، تعريفه برواية «الأسماء المتغيرة»(22)، ثم انتقل إلى معالجة السرد الروائي على استحياء: الراوي بضمير المتكلم، الراوي بضمير الغائب، الراوي الموضوعي. والتفت إلى جوانب فنية اخرى في مواقع أخرى، مثل مصطلحات السرد الاسترجاعي أثناء الحديث عن الحبكة، وسرعة القصّ والتلخيص والوقفة والمشهد والثغرة لدى الحديث عن الزمن الروائي، أي أن ناقدنا يقبل على المنهج البنيوي حذراً، ثم يمعن في النقد التقليدي الشارح.‏

ويتجه نقد ولدمحمد المصطفى للقضايا الدلالية على أنها موضوعات غالباً، مثل الحرية والعبودية والمقاومة والبعد الأخلاقي وصورة الغرب، أما المنهج العلامي فيجري الألماح إليه في العنوان وحده، بينما غاص نقده في الشرح المضموني، بعد ان صار البناء الفني إلى شرح أسلوبي تقليدي، كما هو الحال في هذا المثال عن رواية أحمد الوادي:(23)‏

وهكذا نستطيع أن نورد الملاحظات النقدية على نقد ولد محمد المصطفى:‏

انطبع نقده للرواية العربية الموريتانية بطوابع النقد التقليدي الشارح على الرغم من إعلانه السعي لمقاربة بنيوية ودلالية، وعلى الرغم من اعتماده أحياناً على مراجع بنيوية، أو تعني بالسرديات من منظورات هذا المنهج الحداثي مثل كتاب يمنى العيد «تقنيات السرد في ضوء المنهج البنيوي»، وكتاب ميخائيل باختين «الخطاب الروائي»، وكتاب سيزا قاسم «بناء الرواية»، وكتاب حميد لحمداني «بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي»، وكتاب سعيد يقطين «تحليل الخطاب الروائي»، وسوى ذلك.‏

ثمة ميل لايخفى هو العناية بالموضوع على حساب معالجة البنية، وبرز ذلك جلياً في سياق نقده للبناء الفني بعناصره المختلفة، فيتحول الحديث مثلاً عن الترتيب الزمني للسرد إلى شرح للوقائع، أو أنه يمهد نظرياً للعنصر الفني ثم، ما يلبث في التطبيق، أن يصير الحديث عن هذا العنصر الفني استغراقاً في الشرح. إنه يورد فقرة سريعة عن مفهوم الشخصيات وأنواعها لاتتعدى الصفحة الواحدة(24)، ثم يغلب الشرح الموضوعي عن تطور الشخصية خلل ومضات قليلة عن المنظور الفني.‏

ولعل التوقف عند استعماله لأنواع الرواة الثلاثة مما يوضح طريقته النقدية: الراوي بضمير المتكلم، الراوي بضمير الغائب، الراوي الموضوعي(25). يوضح هذه المفاهيم البنيوية السردية على عجل في أقل من صفحتين، ثم لايوافي في نقده على الدوام هذه المصطلحات الحديثة لصالح الاسترسال في أدوات النقد التقليدي الشارح.‏

لايفارق ولد محمد المصطفى هاجس نقد الموضوع على امتداد بحثه، فقد مرّ سريعاً في الخاتمة على الرأي في العناصر الفنية لتظهر، جلية خلل ذلك كله، هواجس الموضوع، كما في هذه الخلاصة:‏

«والحق، إن الروايات الأربع تجمعها منظومة فكرية واحدة تتلخص في الهوية، سواء هوية الفرد داخل مجتمعه ووطنه، أو هوية الأمة في سياقها الحضاري العام إزاء الغرب»(26).‏

يحتاج البحث للتدقيق المرجعي والإشاري، فقد ذكر، على سبيل المثال، رأياً مفاده أن هذا التناقض يبرز عمق الاشكالية التي تمزق المثقف عندما يروم التغيير. إنه بطل مأزوم كأبطال لوكاتش»(ص157). ولم يكتب لوكاتش روايات أو قصصاً، فهو منظر أدبي معروف.‏

يفتح نقد محمد الحسن ولد محمد المصطفى نافذة على الرواية العربية الموريتانية تعريفاً يهتم بمحتواها المضموني والقيمي، ويستعين على ذلك بأدوات المناهج الحديثة حيناً، غير أن اختياره للبنيوية ممتزجة بالعلامية واضح، على غرار عشرات النقاد والباحثين العرب.‏

2-4- التفكيكية:‏

برز الميل التفكيكي مع اشتداد عود البنيوية من جهة، ومع تميز المنهج المعرفي الذي يوظف مفهوم العلامة، ومفهوم الحفر المعرفي من جهة أخرى. وإذ كنا لمسنا شيئاً من ذلك في نقد بشير القمري، فإننا مثل ذلك أكثر وضوحاً في نقد سعيد السريحي، وآخرين لا مجال لذكرهم. ولكننا نقتصر على ذكر السريحي، لأنه الأكثر تعبيراً عن هذا الميل.‏

وضع سعيد السريحي عدة كتب في نقد الشعر والسرد، ولكننا نتوقف عند كتابين هما «تقليب الحطب على النار: في لغة السرد» (1994) و«حجاب العادة: اركيولوجيا الكرم، من التجربة إلى الخطاب» (1996).‏

اختار السريحي لكتابه الثاني نصاً شعرياً، صار في منهجه التفكيكي إلى نص سردي حين «تصبح أنظمة اللغة هي مناط المعنى ومرجعيته، وهي أنظمة شاركت في صياغتها ذوات لا نهاية لها بحيث تغدو التجلي لثقافة أمة بأسرها»(27).‏

ويتوضح مسعى السريحي بقوله: «من هنا فإن المعنى يكون متسامياً عن قصد مؤلف النص كما لا يمكن أن ينسب إلى فعل القراءة ذلك أن القراءة نفسها استنطاق لأعراف اللغة، كما أن الكتابة استكناه لنفس الأعراف»(28). ولعلنا نمضي إلى دراسة كتابه الأول، لأنه الألصق ببحثنا.‏

يوهم عنوان الكتاب«تقليب الحطب على النار» (1994) بغير محتواه للوهلة الأولى، ولكن سرعان ما يتضح اللبس إذا قرأنا العنوان الثاني للكتاب، وهو «في لغة السرد»، فهو إذن كتاب في النقد الأدبي الجديد، أو هو يتوسل المناهج الجديدة في النقد الأدبي حين يتصدى لقضية نقدية تتصل بلغة السرد. أما عنوان الكتاب الرئيس فهو تناص مع عبارة لناقد معروف من جماعة الشكلانيين الروس، واسمه شكلوفسكي، وقد رأى هذا الناقد الألمعي أن مقاربة النقد للغة في تعاملها مع مضمون لا يبعد أن يكون ضرباً من تقليب الأمر على وجوهه المختلفة، والاستغراق في استثمار إمكاناته، كما يقلب الحطب على النار، ومن هنا، كما يقول السريحي، «يتوارى المضمون خلف الآفاق المتجددة التي تنبثق من تشكلات النص فتمنحه مشروعية أن يكون، وتمنحنا عند اكتشافها مشروعية أن نزعم قراءة النص»(29). وأما الكتاب فهو يجمع أربعة أبحاث انشغلت بالسرد ولغته واشكالاته ومظاهر تجلياته، وألقيت من قبل في لقاءات ومؤتمرات ثقافية في الكويت والشارقة ومسقط والرباط.‏

حرص السريحي في أبحاثه على تأسيس وعي نقدي، وأضاف، «أزعم أن ثقافتنا العربية في حاجة ماسة إلى تأسيسه»(30)؛ واعترف أنه لم يكن له فضل اختيار الموضوعات، فكان يحتال في اختيار زاوية الرؤيا ونهج التناول، وعلى عادة النقاد الذين يمنون النفس بإعادة القول فيها، ثم ما تلبث الأيام أن تثنيهم عن همّ بهمّ، وعن غاية بغاية. ولما حالت الظروف دون ذلك، استجاب لحسن ظن الأصدقاء به في أن يضم أشتات هذه الأبحاث، وأن يفي بنسبة الورقات إلى الجهات التي أوعزت بكتابتها؛ غير أنه يزعم أن هذه الأبحاث منسجمة البناء والرؤية النقدية والفكرية، ولذا يعد الشكر واجباً للجهات التي دعته لكتابتها لأنها حفزته لإنجاز هذه الأبحاث ـ الكتاب وهي «مجلس التعاون لدول الخليج» (1988) و«اتحاد كتاب الإمارات» (1989) و«المنتدى الأدبي» العماني في مسقط (1991)، و«الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب» لندوة «نجيب محفوظ والرواية العربية» بالرباط (1990).‏

تتناول الأبحاث الثلاثة الأولى تجارب قصصية خليجية هي: «تطور البناء الفني في القصة القصيرة: جدل الشفهي والمكتوب» و«القصة القصيرة في الإمارات: إشكالية اللغة» و«بدايات القصة القصيرة في عمان: الدور الاجتماعي والقصور الفني»، بينما اتجه البحث الرابع لدراسة «إشكالية الزمن في رواية حديث الصباح والمساء لنجيب محفوظ».‏

يستفيد السريحي من المنهج الشكلاني في النقد، ولعل أهم إنجازات الشكلانية كانت في السرد والأشكال السردية، ولكنه ليس شكلانياً، لأنه أقرب إلى المنهج الموضوعي، مستفيداً من منهجية التفكيك في الوقت نفسه. ولاشك، أننا نقرأ في أبحاث السريحي السردية نقداً يعد نموذجاً للمستوى العربي المتقدم في تناول السرديات. لا يرتهن السريحي لمرجعية منهج بعينه مثل الشكلانية أو التفكيكية أو النقد التاريخي، ليدغم أدواتهما وتقاناتهما في منهج موضوعي تقويمي، فهو يحتفي حيناً بتوصيف الأعمال المنقودة، أو يعنى بتمحيص الاشتغال السردي في هذه الأعمال حيناً آخر، وما يلبث في بعض الأحيان أن يتجه إلى إصدار أحكام القيمة الفنية والفكرية على ما ينقد؛ وهذا واضح في عنوانات أبحاثه وفي متونها، فقد وضع عنواناً لدراسة القصة القصيرة في عمان المنحيين التاليين: «الدور الاجتماعي والقصور الفني».‏

إن السريحي متمكن من فعاليته الإجرائية ولغته النقدية، ويدعم ذلك ذائقة نشطة في الاستجابة ومقدرة عالية في التحليل. ولعل نقده لرواية نجيب محفوظ أكمل نموذج لتطلع الناقد؛ لأن ناقدنا السريحي نفور من الشرح وإطنابه، والنقد النصي وتطويله، طلباً لفعالية نقدية تجعل القراءة النقدية سبيلاً للرؤية الفكرية، وإظهاراً لعمليات البناء السردي.‏

اختار السريحي إشكالية واحدة من إشكاليات البناء السردي لكاتب عظيم هو نجيب محفوظ، وفي إحدى رواياته المتأخرة الدالة على اشتغاله الخاص ببناء رواية فريدة في صوغها الفني. إنها مبنية على تقنية التواريخ الشخصية لعشرات الشخصيات على أنها تاريخ لمصر خلال قرنين من الزمن؛ ولعلها تعدّ اختزالاً أمثل لبناء الرواية عند نجيب محفوظ في اعتمادها الوثيق على تاريخ مصر على وجه الخصوص، وعلى فهم التاريخ اندغاماً للمصائر الفردية في المصير القومي العام على وجه العموم.‏

بدأ السريحي نقده بتحديد إطار نوع المعالجة الروائية التي عمد إليها نجيب محفوظ بإيجاز شديد الدلالة، دون إنشائية، دون استعراض معلومات، دون فذلكة علمية، وأكمل بإيجازه المعهود، وبلغته النقدية الصارمة، توصيف المعالجة الروائية مدخلاً لفهم إشكالية الزمن، فقد لمس فجوات «تتجاور فيها أحداث المنطقة وثورة عرابي واحتلال الإنجليز، أو تتقدم فيها وفاة الحفيد علي ميلاد جدّه أو أبيه»(31)، ووجد أن الرواية بعد ذلك لا تمنحنا إمكانية لرسم خط مسار الزمن كما يتجلى فيها، وشكا من الإرهاق الذي يسببه ذلك الاضطراب الذي يبلغ حدّ المعاظلة في تركيب زمن الرواية وترتيبه، إن صحت استعارته لمصطلح المعاظلة من البلاغيين الذين استخدموه في وصف تركيب الجملة وترتيبها، مثلما أبدى إعجابه بإغراء ذلك التناسق الذي ينشأ عن الإشارات الصريحة للأزمنة والأجيال وتاريخ الأحداث. غير أن ذلك كله لم يمنعه من ترتيب منطقي تاريخي جديد للرواية، ليتوازى تاريخ المصائر الفردية مع التاريخ العام، أو ليتوازى التاريخ الفني مع التاريخ العام، مسلماً بسمو غايات هذا التاريخ الفني، وأمانة سرد أحداثه، ورصد تأثيراته ونتائجه، وروعة انحياز الراوي للثورة الوطنية ولمن انحازوا إلى صفها، ثم أبدى السريحي رأياً بأنه لا يخال « أن الراوي كان بحاجة إلى إرهاقنا بما ارهقنا به من تقنية في روايته لكي ينسج لنا هذه الشخصيات، وإن كانت من لحم ودم ووراثة واكتساب وتعلم ومصالح، بل لعل هذه الغايات والأهداف، وهذا الانحياز، وتلك المقدرة على نسج الشخصيات ما كانت لتنهض مبرراً لكتابة الرواية، فهي ذات الأهداف والغايات، وهو نفس الانحياز، وهى عين المقدرة على النسج التي تجلت جميعها فيما سلف من رواياته التي جاءت هذه الرواية على رأس سلسلة طويلة منها»(32).‏

وعلي، قبل أن أتابع عرض رأي السريحي في معالجة نجيب محفوظ لبناء روايته، أن اختلف معه حيناً، وأن اتفق معه حيناً آخر: الاتفاق في أن الرواية تحمل الأهداف والغايات ذاتها في غالبية أعماله، والاختلاف في أن الرواية تتفرد في بنائها الروائي عن بقية رواياته، فقد استطاع محفوظ أن يضع أمامنا تاريخاً فنياً حقاً يوازي التاريخ القومي العام، وأن يحمل هذا التاريخ الفني أكثر مما يحيط به عمل المؤرخ في ذكره للوقائع والأحداث، ولقد أفلح محفوظ في أن يحوّل الوقائع والأحداث من نسقها الواقعي إلى نسق سردي ينبض برؤية الفنان الرحيبة استناداً إلى تعليل هذه الوقائع والأحداث. غير أن السريحي حذر في الوقت نفسه من الاستغراق في محاولة محاكاة الواقع أو التاريخ، وهو محق في ذلك. مثلما هو واع لطبيعة بناء الرواية ونسق تنضيدها السردي، وهذا ما جعله يورد آراءه السديدة تمهيداً لتشريح بنية الرواية.(33)‏

على هذا النحو من دقة المصطلح وسلامة المنهج يمضي السريحي في تحليله المعمق النافذ لإشكالية الزمن في رواية محفوظ، ولعل نظرة أخرى في دراسته «لإشكالية اللغة في القصة القصيرة في الإمارات العربية المتحدة» تؤيد بلاغة نقد السريحي للسرد. حدد السريحي مقاربته للقصة في الإمارات في الإحاطة بنشوء الظاهرة وتطورها واحتشاد الكتّاب القصاصين حول هذا الفن الذي شهد انتعاشه في أواخر السبعينات، ثم كسب عشرات الأصوات المتميزة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات؛ ولا سيما عبد الحميد أحمد ومحمد حسن الحربي اللذان وجدا عناية فائقة من السريحي. وفي هذا المجال، اختلف أيضاً مع ناقدنا في اقتصاره على جانب لغوي بحت، لأن ثمة أبعاداً ومنظورات أكثر تعبيراً عن استواء فن القصة القصيرة، وبلوغه إنجازاته الكثيرة. ألم يلاحظ السريحي ما يتوخاه، على سبيل المثال القاص عبد الحميد أحمد من حرص على تصوير الأشياء ورصد للعالم الخارجي. لا يؤمن عبد الحميد أحمد بالواقعية اللغوية، وإن أورد بعض التراكيب والألفاظ العامية أو الأجنبية، وهذا عائد لتسرب أحكام القيمة في نقد السريحي، ومما يحمد للسريحي أنه غير مولع بها، فالنقد يرتقي إلى ذرى بلاغيته وإبلاغيته كلما تجنب أحكام القيمة. وتشير دراسته الآنفة الذكر إلى صولاته وجولاته الملحوظة في تحليل الأعمال القصصية السردية على الرغم من اقتصارها على جانب الاستخدام اللغوي بما هو ألفاظ وتركيب، ربما بتأثير منهجية اللغوي العربي على سيرورة تشكل المنهج الموضوعي لديه. وهذا جلي في الحكم على لغة السرد بمنظور جماليات البيان والتبيين.‏

وتظهر نجاعة أسلوب السريحي النقدي في تخليله الممتع والمفيد لجدل الشفهي والمكتوب في القصة الخليجية، من خلال قصص قصاصين مهرة مثل إسماعيل فهد إسماعيل وليلى العثمان وسليمان الشطي (الكويت) وعبد الحميد أحمد (الإمارات) وأحمد السباعي وعبدالله باخشوين وعبده خال (السعودية) وأمين صالح (البحرين) على وجه الخصوص. وأعتقد أن دراسته تلك من الدراسات القليلة التي تقرّب القصة الخليجية من القاريء، وتبين، بلغة نقدية نقية، حركة تطور القصة القصيرة والبنية الشمولية التي تضبط إيقاعها، وتكشف عن علاقتها بوظائف العناصر التي يشتمل عليها بناء القصة.‏

سعيد مصلح السريحي، كما هو واضح، ناقد متمرس ومقتدر على دراسة السرد ولغته في منهج موضوعي يحيط بتلاوين بناء القصة والرواية، ويجعل من قراءاته النقدية متعة ذوقية عالية، ومثار استجلاء دواخل النصوص السردية المختلفة، ولا يخفى أن مثل هذا النقد الجديد هو الأقدر على تحقيق ذلك: وقد مثّله السريحي خير تمثيل كلما التفت عن أحكام القيمة من أجل مقاربات أكثر مواءمة واستطاعة للإشتغال النصي السردي، وكلما أمعن في تثمير معطيات المنهج التفكيكي لسيرورة نقد تقويمي؛ وهذا جلي في غالبية أبحاثه.‏

3- ملاحظات ختامية:‏

لعلي أوجز ملاحظاتي الختامية على الموقف من الاتجاهات الجديدة المتصلة بالبنيوية وما بعدها فيما يلي:‏

أولاً- تطور الاهتمام النقدي العربي بهذه الاهتمامات بوساطة الترجمة عن الفرنسية بالدرجة الأولى، ولأعلامها الفرنسيين بخاصة، وتأخر الاهتمام بالتجليات الألمانية والإيطالية والأمريكية، مثلما تركز الاهتمام على البنيوية في بواكيرها الأولى، أما الاتجاهات المتفرعة عنها أو المتطورة عن ممارستها كالشعرية والعلاماتية والتداولية اللغوية وسواها، فتداخلت مع البنيوية والنقد اللساني والأسلوبي إلى حد كبير.‏

ثانياً- اختلاط الترجمة إلى حدود مريعة في غالبية الكتب المترجمة، لأن مترجمي هذه الكتب لا يعنون بخصوصية هذه الاتجاهات وفضاءاتها المعرفية والمنهجية ومصطلحاتها ولغتها النقدية، خلا استثناءات قليلة، ناهيك عن فقر الترجمة بالتعريف التاريخي والفكري والنقدي والمنهجي، وثمة كتب ونصوص مترجمة مقتطعة عن سياقاتها، أما تعدد الترجمات لكتاب واحد أو نص واحد فمما يضاعف الخلل، ويراكم الأخطاء، وهذا هو الحال مع ترجمة نصوص بارت على سبيل المثال.‏

ثالثاً- ماتزال صورة الاتجاهات الجديدة المتصلة بالبنيوية وما بعدها متداخلة في وعي الناقد الأدبي العربي الحديث وفي ممارسته النقدية، فإننا نقع في واقع الحال على محاولات نقدية غير ناجزة تتمثل هذا الاتجاه أو ذاك، أو أن تطوره ضمن سيرورة النقد العربي الحديث. ثمة استثناءات قليلة لم يُكمّل أصحابها مشروعاتهم النقدية نحو اتجاهات شعرية السرد أو التفكيكية أو العلاماتية أو البنيوية التكوينية..إلخ.‏

رابعاً- لا ينكر المرء أن الغلبة في الممارسة النقدية العربية الحديثة للاتجاهات الجديدة وما يدور في فلكها، متأثرة كلياً أو جزئياً، أو هي تكييف للشغل النقدي مع معطيات الاتجاهات الجديدة على نحو قليل أو كثير، وعياً أو دخولاً في «هوجة» الجديد. ويكشف الموقف من نزعات ما بعد الحداثة ذلك الولع المستفحل بالاتجاهات الجديدة، بينما ما تزال هذه النزعات ملتبسة ومتداخلة، حتى إن الكثيرين ممن اشتغلوا على التعريف بها أو ترجمة بعض النصوص عنها، لم يقدموا تعريفاً واضحاً لها.‏

الهوامش والإحالات:‏

1. انظر:‏

- بن ذريل، عدنان: «اللغة والأسلوب» اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1980.‏

- بن ذريل، عدنان: «اللغة والدلالة» اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1981.‏

- بن ذريل، عدنان: «اللغة والبلاغة» اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1983.‏

- بن ذريل، عدنان: «النقد والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1989.‏

- بن ذريل، عدنان: «النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1995.‏

2. انظر ما كتبه جون ستروك في مقدمته لكتاب «البنيوية وما بعدها» ـ مصدر سابق ـ ص9:‏

«إن البنيوية ليست مذهباً، بل هي منهج، إذ لا يمكن للمرء أن يصبح بنيوياً بالطريقة التي كان يمكن له أن يصبح بها وجودياً، فليس ثمة نواد ليلية بنيوية على الجانب الأيسر من النهر، وليس ثمة ملابس بنيوية ترتدى أو أسلوب حياة يتبع، لأن البنيوية ما هي إلا منهج بحت، طريقة معينة يتناول بها الباحث المعطيات التي تنتمي إلى حقل معين من حقول المعرفة بحيث تخضع هذه المعطيات ـ فيما يقول البنيويون ـ للمعايير العقلية».‏

3. الغريبي، خالد: «التناقض والوحدة في رواية المستنقع لحنا مينه» ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1995 ـ ص117.‏

4. حسن، حسني: «يقين الكتابة: ادوار الخراط ومراياه المتكسرة» ـ المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 1996 ـ ص ص214-218.‏

5. عزام، محمد: «فضاء النص الروائي: مقاربة بنيوية تكوينية في أدب نبيل سليمان» ـ دار الحوار ـ اللاذقية 1996 ـ ص53.‏

6. الفيصل، سمر روحي: «بناء الرواية العربية السورية 1980-1990» ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1995 ـ ص9.‏

7. عبد الله، عدنان خالد: «النقد التطبيقي التحليلي: مقدمة لدراسة الأدب وعناصره في ضوء المناهج النقدية الحديثة» ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد 1986 ـ ص9.‏

8. خشفة، محمد نديم: «جدلية الإبداع الأدبي: دراسة بنيوية في قصص عبد السلام العجيلي» ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1990 ـ ص ص14-15.‏

9. المصدر نفسه ـ ص ص17-18.‏

10. بورايو، عبد الحميد: «منطق السرد: دراسات في القصة الجزائرية الحديثة» ـ ديوان المطبوعات الجامعية ـ الجزائر ـ 1994 ـ ص ص3-4.‏

11. المصدر نفسه ـ ص66.‏

12. براهم، عبد الفتاح: «البنية والدلالة في مجموعة حيدر حيدر القصصية الوعول» ـ الدار التونسية للنشر ـ تونس 1986 ـ ص155.‏

13. الزاهي، فريد: «الحكاية والمتخيل: دراسات في السرد الروائي والقصصي» ـ أفريقيا الشرق ـ الدار البيضاء ـ 1991 ـ ص ص5-6.‏

14. عزام، محمد: «النقد والدلالة: نحو تحليل سيميائي للأدب» ـ منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1996 ـ ص5.‏

15. علوش، سعيد: «هرمنوتيك النثر الأدبي» دار الكتاب اللبناني- بيروت وسوشبرس الدار البيضاء 1985 ص6.‏

16. عدة باحثين: «الهيرمينوطيقيا والتأويل» دار قرطبة للطباعة والنشر- الدار البيضاء الطـ2 -1993- ص5.‏

17. المصطفى، محمد الحسن ولد محمد: «الرواية العربية الموريتنانية: مقاربة للبنية والدلالة» الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة- 1995.‏

18. انظر المجلد الضخم: «تاريخ الأدب الموريتاني» لمؤلفه أحمد ولد حبيب الله- منشورات اتحاد الكتاب العرب- دمشق1996.‏

19. يشير التعريف المنشور على غلاف الرواية الأخيرة أن لموسى ولد ابنو رواية ثانية بالفرنسية هي «البرزخ» (باريس 1993).‏

20. الرواية العربية الموريتانية- مصدر سابق ص5.‏

21. المصدر نفسه ص7.‏

22. المصدر نفسه ص ص 36-44.‏

23. المصدر نفسه ص ص 154-155.‏

24. المصدر نفسه ص 119 على سبيل المثال.‏

25. المصدر نفسه ص 45 وما بعدها.‏

26. المصدر نفسه ص 157.‏

27. السريحي، سعيد: «حجاب العادة»- المركز الثقافي العربي- بيروت- الدار البيضاء 1996 ص13.‏

28. المصدر نفسه ص14.‏

29. السريحي، سعيد: «تقليب الحطب على النار- في لغة السرد»- كتب النادي الأدبي بجدة- جدة 1994.‏

30. المصدر نفسه ص8 .‏

31. المصدر نفسه ص 95.‏

32. المصدر نفسه ص 97.‏

33. المصدر نفسه ص 98.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244