القصة القصيرة السورية ونقدها في القرن العشرين - د.أحمد جاسم الحسين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2001

Updated: Sunday, September 21, 2003 12:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-حول عبد السلام العجيلي:

ألفّت حول تجربة العجيلي كتب عدة، وقدمت أطروحات جامعية، بعض ما نشر في كتب كان قد قدم أساساً بصفة أطروحة جامعية.‏

الكتب التي سنتناولها ثلاثة هي:‏

عبد السلام العجيلي دراسة في الفن القصصي والروائي.‏

جدلية الإبداع الأدبي(1)

دراسات في أدب العجيلي(2) .‏

ولئن كان الأول والثالث قد انشغلا بعالم العجيلي الإبداعي ككل، فإن الثاني تفرغ للحديث عن تجربة العجيلي القصصية من خلال منهجية واضحة، وهو ما افتقدناه في الكتاب الأول الذي ألفه عدنان بن ذريل إذ يبدو أنه ينتمي إلى علم النفس أكثر من انتمائه إلى النقد.‏

ولعل اقتطاف كلمات منه يكشف أسلوب المؤلف وآلية نظره إلى الأمور يقول "آثرنا في البحث النفسي في أدب عبد السلام العجيلي) دراسة الوصف النفسي عند هذا الأديب القاص، والروائي الألمعي، الذي تميز أدبه بمسحة نفسية أصيلة صبغت فنه القصصي والروائي كافة، سرده، وتحليلاته وأوصافه جميعاً"(3) .‏

ويبدي المؤلف اهتماماً كبيراً بسيرة العجيلي وما قاله، وقد خص علم النفس بفصول عديدة من الكتاب، ويدخل نفسه في أنفاق عديدة إذ يستطرد، وينسب إلى نفسه الذوق والعلم لكشف عالم العجيلي.‏

ولا يتضح من الكتاب أننا أمام باحث يريد استنتاج أشياء محددة من النصوص أو اتباع منهجية ما، بل يجد الباحث في الكتاب أنه أمام كاتب حمل مجموعة من الأدوات النفسية المختلطة، وأقبل إلى عالم العجيلي هادفاً إلى إعطاء أدواته مصداقية، وجدوى علمية(4) .‏

ويبدو أن الكتاب محاولة غير ناجحة للاستفادة من علم النفس لدراسة الأدب لأنه بقي ذاتياً في الإجراء والمصطلح والرؤية، هذا إن وازناه بدراسات نفسية أخرى للأدب.‏

أما كتاب دراسات في أدب عبد السلام العجيلي فكما هو واضح من عنوانه فإنه مجموعة دراسات في أدب العجيلي رواية - قصة- شعر- رحلات- مسرح) قام بتنسيقها الشاعر إبراهيم الجرادي وقد أسهم في الكتاب خمسة عشر دارساً ومبدعاً عرباً وأجانب) تناول كل منهم جانباً من جوانب نشاطات العجيلي، وقد اختصت بضع مقالات بالقصة القصيرةوهي لكل من يوسف سامي اليوسف / العجيلي قاصاً) وجورج طرابيشي / العجيلي بين الرؤية والرؤيا) وسليمان فياض/ فارس مدينة القنيطرة وأدب النكسة) ود. نعيم اليافي / الغرابة والمصادفة في أدب العجيلي) وسامي عطفة / صورة الغرب في أدب العجيلي).‏

إن تنوع المقالات وتعدد أسماء مؤلفيها، واختلاف المقدرة والتجربة جعل منها باقة من الآراء المتواشجة طوراً، المختلفة تارة، وإن كان الاختلاف هنا لا يفسد للود قضية. فيوسف سامي اليوسف مثلاً ينطلق من صراع المادة والروح، وأن عصرنا عصر ربوي، مؤكداً أن الإنسان مهما جرى إليه لا بدّ عائد إلى طبيعته، مستعرضاً عدداً من القصص، ولافتاً الانتباه بشيء من الحماس الانفعالي، الانطباعي التأثري لفرادة تجربة العجيلي الإبداعية وتميز عالمه القصصي.‏

أما جورج طرابيشي فإنه يريد الخلوص إلى تمكن العجيلي من بث رؤيا ما في مجموع قصصه، بل أدبه، ويصل إلى مجموعة من الآراء والقناعات التي تحتمل مزيداً من الحوار والنقاش والمعالجة.‏

سليمان فياض من جهته يتحدث عن فارس مدينة القنيطرة محاولة الوصول إلى سمات لأدب النكسة، مقدماً لقراءته بحديث عن فروق) بين أدب النكسة وأدب الحرب، مؤكداً مكانة العجيلي، عارضاً صورة الصراع عبر استعادة الوجوه المشرقة، وتأكيد كرامة الإنسان متأنياً عند الحرب الفلسطينية والمواقف الرخيصة للكثيرين، ويلاحظ أن المؤلف جهد في لوي أعناق النصوص لجرها نحو فكرته التي يؤمن بها.‏

أما د. نعيم اليافي فتمكن عبر رؤيته ومنهجيته وأسلوبه النقدي المعروف من التعمق في نُسُج تجربة العجيلي والحديث عن عدد من سمات قصصه عبر شغله بموضوعة قيل حولها الكثير، واختلف حولها دارسون، ووصل إلى نتائج مهمة، تتعلق أول ما تتعلق بالفرق بين الإيمان بالغيبيات والخرافة والعلمية، ومحدودية معرفة الإنسان وأثر ذلك كله في تجربة العجيلي.‏

أما سامي عطفة فقد تفرغ للحديث عن موضوعة واحدة هي صورة الغرب من خلال مجموعة فارس مدينة القنيطرة ليخلص إلى عدد من الأمور الاحتمالية..).‏

ولا يمكن لمتلقي الكتاب أن يغفل كونه تكريمياً، وأن بعض مباحثه مكتوبة مسبقاً دون أن تكون مخصصة للنشر في الكتاب، لذلك هو مجموعة مقالات ضمت إلى بعض، ولعل أهم ميزة في مثل هذا النوع من الكتب أننا نجد فيها نسيم التعددية إذ تفسح المجال لمجموعة من وجهات النظر، مما يدل على حاجتنا لها نقدياً وإنسانياً.‏

أما الكتاب الذي تفرغ للحديث عن قصة العجيلي فهو جدلية الإبداع الأدبي: دراسة بنيوية في قصص عبد السلام العجيلي.‏

ويعد هذا الكتاب في أنصع الكتب التي ألفت عن قاصينا، ليس لأن المؤلف يظهر مقدرة تحليلية واضحة، ولا لشموليته، ولا لتخصصه بالقصص فقط، بل لأنه إضافة إلى ما سبق من الكتب التي يمكن أن يشار إليها بالبنان حين الحديث عن تحويل النقد من الانطباعية التأثرية إلى المنهجية العلمية، لكنه ليس العلم الجاف، بل العلم المرن الذي لا ينفي روح الأدب، ويحاول أن يستفيد من لب المنهج البنيوي لتحليل قصص العجيلي، ومع أن العنوان يشير إلى البنيوية منهجاً نقدياً إلا أننا نلمح أن الكاتب استفاد من معطيات غير منهج /التاريخي - الدلالي وهذا شيء مفيد على أية حال.‏

وقد تضمن الكتاب مقدمة للعجيلي ناقش من خلالها بعض آراء المؤلف وأكد الاختلاف معه حول عدد منها، ولم ينس أن يشير في النهاية إلى جهود الباحث(5) !‏

والكتاب في الأساس أطروحة جامعية، وقد قدم المؤلف لكتابه بصفحات مهمة حول أسئلة الناقد والباحث على نفسه، وهو يراود المادة فيما يخص المنهج والرؤيا وطريقة المقاربة وسوى ذلك، وخلص إلى نتائج مهمة قد نتفق حولها أو نختلف، ولعل إثارة هذه الأسئلة يعطي نبذة عن تقنيات المؤلف ورؤيته ووعيه أدواته، و من ثمّة استفادته منها في عموم البحث.‏

وقد انقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول العجيلي ومكوناته الثقافية- الاتجاهات الفكرية في قصته القصيرة- دلالات الأسلوب).‏

والكتاب ينشغل بقراءة تسع مجموعات قصصية للعجيلي(6) يجري حولها قراءاته التطبيقية التي أصابها الكثير من التوفيق وسواه!‏

وعلى الرغم من حديث المؤلف عن سيرة العجيلي الذاتية إلا أنها لم تشغله عن الحديث الفني!‏

وقد استطاع المؤلف إلى حد كبير عبر مقدراته وآلياته ومنهجيته الغوص عميقاً في عالم قصص العجيلي، وطرح تساؤلات مهمة ما كان لها أن تثار ربما لو تغيرت آلية المقاربة، أو لو نظر المؤلف إلى المنهج بعيداً عن المرونة.‏

إن أول ما يسجل للمؤلف في هذا الكتاب هو منهجيته الواضحة بحثاً ونقداً، إضافة إلى معرفته ما الذي يريده من بحثه، مما جعله ينتبذ مكاناً قصياً عن الإطالة والحشو مع وضوح في مصطلحه ولغته وآلية كتابته ورؤيته أضفت على الكتاب خصوصية ميزّته من سواه.‏

- حول زكريا تامر:‏

نال زكريا تامر اهتماماً كبيراً من النقاد في مختلف أرجاء الوطن العربي سواء في الكتب التي تحدثت عن القصة السورية أو العربية، ونتيجة لذلك فقد ألف عنه غير كتاب وأصدرت غير مجلة ملفاً خاصاً عنه(7) ، وربما أهم ما يميز تجربة زكريا تامر كونها مثيرة للجدل لا تزال الآراء تختلف حولها إلى حد التناقض أحياناً(8) ؟‏

ففي كتاب العالم القصصي لزكريا تامر(9) أول ما يلحظ فيه أن مؤلفه كان مدركاً الأسئلة التي يمكن أن تطرح عليه حول أسس الاختيار وأسبابه إذ يقول مجيباً منذ الأسطر الأولى.. لماذا زكريا تامر؟‏

"الإجماع العام على زكريا هو أهم كتاب الستينات ليس في سورية فحسب بل في العالم العربي" أما أسباب ذلك فتعود إلى "فرادة البناء القصصي القائم على دمج العقلاني باللاعقلاني، والشعور باللاشعور، اليقظة بالحلم، المعاش بالمتخيل "إضافة إلى "هيمنة عنصر التخييل البلاغي القائم على الصورة والمجاز والانتهاك المنظم للغة والعناصر المادية البنائية وعناصر الواقع الذي يؤدي إلى هيمنة الانفعال على حساب صرامة المنطلق العقلاني"(10) .‏

ومن ثمة يتحدث عن محاذير اختياره، بخاصة التحليل التوصيفي والابتعاد عن الأحكام الذاتية، وضرورة التنبيه على الوظيفة التواصلية للبحث النقدي والمناقشات مع الآخر، وإلى أهمية الإيمان بالتواصل مع العمل عبر عدد من البنى، إضافة إلى رفضه التشريحية الوصفية بحجة إفقاد العمل الأدبي حياته، ورفض الدلالة الواحدة للعمل، ونبذ القطيعة بين الدال والمدلول والتركيز على الوظيفة.‏

وفي معرض تعليقه حول المناهج يقول عن البنيوية "إن الكثير من الدراسات البنيوية تضيع في دراسة العناصر كمكونات للبنية، وتقع في مطب الوصفية التشريحية، مستعيضة عن وظيفة البنية بوظيفة أجزائها فيحل الجزء محل الكل، ويتحول الجسد إلى جثة عندما لا نبحث عن الوظيفة الجوهرية له وهي الحياة(11) . مؤكداً أهمية دراسة الأجزاء لكن بمقدار تفاعلها في نظام البنية، فالعنصر المستقل- كمايرى د. عيد - لا يحصل على وظيفة إلا داخل البنية(12) .‏

ويبدو من الكتاب أن المؤلف مطلع على الجهود السابقة وعارف بحسناتها وسوءاتها، ويبدي مقدرة على الإقناع بصوغ آرائه بأسلوب متين، مشيراً إلى أن منطلقاته واضحة، وما يريده يعرفه تماماً، من أجل ما سبق فإنه يقدم نبذة عن حياة زكريا، ولماذا زكريا؟ ولماذا طريقة المقاربة؟‏

ومن ثمة يبحر قليلاً في تحليل قصة الأغنية الزرقاء الخشنة) ممهلاً الخطا عند البنية السردية والدلالية في مجموعة صهيل الجواد الأبيض.. ويقف وقفة أخرى عند مجموعة ربيع في الرماد ومجموعة الرعد.‏

ويتوقف بتأن ضروري عند التعبيرية في قصص زكريا تامر، إضافة إلى وقفة عند دمشق الحرائق، والبعد التعبيري والشخصية الشعبية والسرد والمجاز والتخييل والبناء والدلالة.‏

صحيح أن عدداً من الرؤى التي تخص البعد الأيديولوجي للباحث(13) هي التي تستعبد أجزاء كبيرة من البحث، لكن المؤلف أبدى مقدرة فائقة على الولوج في أعماق النص، إضافة إلى منهجية واضحة وخبرة في معالجة النصوص والقبض على مفيدها وتمييز غثها من سمينها!‏

أما كتاب زكريا تامر والقصة القصيرة(14) فهو لباحثة قدمت دراسة مثل كثير من الدراسات التقليدية في تناولها لموضوعها، وقد تبدت الدراسة عبر تمهيد وثلاثة فصول، في التمهيد تناولت القصة القصيرة في سورية تناولاً لا يخلو من تعميمات فيها بعض الشطحات(15) مع محاولة لتلمس موقع زكريا تامر ويبدو أنها لم توفق في هذا القسم.‏

أما الفصل الأول: فقد سعت فيه إلى إلقاء الضوء على حياة القاص ورؤيته الفكرية عبر منهج تاريخي اجتماعي خلال مقالاته وكتبه.‏

وفي الفصل الثاني: تناولت مضامين مجموعاته القصصية الخمس التي دارت حول موقف أبطاله من المجتمع والمرأة والمدينة والتراث في ضوء الحياة السياسية، وأثر التيارات الأجنبية فيه بخاصة كافكا.‏

وتوقفت عند بنائه الفني في الفصل الثالث منطلقة من التحليل الجمالي لبنية القصة، مركزة على الحالة النفسية واللغة والوضع الاجتماعي.‏

وكما هو واضح من البحث فإن الكاتبة قد بذلت جهوداً موسعة لمعرفة ما حول القاص على أمل أن يكشف لها شيئاً من عوالمه، ولم تقصر أبداً في أن تستفيد من جهود الآخرين في تناوله من خلال تقليدية التناول ومدرسية التحليل.‏

وقد حاولت الباحثة أن تتناول عالم زكريا تامر بشمولية، وللشمولية إن لم يواكبها عمق في الرؤية ثمنها كما هو معروف، وقد توقفت عند كثير من مقالاته التي كتبها واشتكت من عدم استجابته لرسائلها مع أن هدفها التعامل مع النصوص كما تقول)(16) .‏

وأبدت اهتماماً استثنائياً بسيرورة حياته وأطالت النظر في الجوانب الموضوعاتية والفكرية والشخصيات والشرطي والقبو والغرفة والمقهى والاستلاب والغربة..)(17) وقادتها شموليتها إلى شيء من العجلة والمعالجة الأفقية المتسرعة بدلاً من التعمق..‏

والكتاب بصورة عامة يقدم إلماعة شاملة لعالم زكريا تامر القصصي بخاصة موضوعاته ومضامينه، وفيه الكثير من النوايا الطيبة لتحليل العديد من سمات تجربة زكريا تامر تبديها المؤلفة، ويكفيها أنها حاولت ذلك.‏

نقد نقد القصة القصيرة السورية‏

يُعَدّ نقد النقد ضرورة ملحة إن أردنا تطوراً في مجال النقد، إذ يقوم نقد النقد بمحاولة تقويم الكتب النقدية والأبحاث، إضافة إلى تصنيفها والتعرف إلى آلياتها وإجراءاتها، وهذا يعني من جملة ما يعني ضبط عالم النقد الأدبي وكشف أساليبه ومناهجه، وهذه خطوات ضرورية لأي تطوير يصبو إليه ذلك النقد، ويمكن لنقد النقد أن يكشف للمتلقي غثّ النقد من سمينه، ويفرق بين أنماط نقدية تتخذ من المناهج النقدية تكأة لتحليل النصوص، إضافة إلى الحديث عن دور الذاتية في التعامل مع النص.‏

وفي واقعنا النقدي العربي لا تبدو أمور نقد النقد بخير ليس لعدم وجوده، بل لأنه غير واضح المعالم، ويمارسه من له علاقة، ومن ليس له علاقة، ولا يزال واقع النقد الأدبي العربي لا يبشر بكثير من الخير، وإن لوحظ في السنوات الأخيرة تراجع النقد التأثري إلى جانب شيء من التطور والتقدم في ميدان النقد المتكئ على المنهجية.‏

ولو حاولنا إلقاء نظرة ولو كانت سريعة على نقد النقد الذي كتب عما يخص القصة القصيرة السورية لوجدناه معقولاً إذ خصصت له أطروحة ماجستير بتجلياته المختلفة(18) ، وخصص ناقد معروف له صفحات عديدة من أحد كتبه(19) ، وتناول هذا النقد بالتقويم من ضمن الحديث عن وضع النقد الأدبي في سورية(20) .‏

إضافة إلى ما نشر في الدوريات من تعليقات وآراء ومباحث تناولت الكتب الصادرة بالنقد وسوى ذلك(21) .‏

على أية حال لا يمكن لامرئ طماح إلى الموضوعية إلا أن يشير إلى نقد النقد دون أن ينسى أن نقد النقد ذاته قد يقع في بعض الذاتية واللاعلمية إن كان ما يوجهه من خارج النص النقدي المراد نقده، ومثلما تحدث هذه الإشكاليات في النقد فهي من الوارد أن تحدث في نقد النقد، وإن كان الأمر مختلفاً، والنسبة أقل، نظراً لطبيعة العاملين في هذا الميدان.‏

ومن الكتب التي سنتوقف عندها كتابان لنبيل سليمان وجزء من كتاب للدكتور نعيم اليافي وأطروحة ماجستير.‏

فيما يخص كتابي "نبيل سليمان وهما: النقد الأدبي في سورية ومساهمة في نقد النقد الأدبي.‏

نقول: لقد تناول نبيل سليمان في كتابه الأول هذا بواكير النقد الأدبي في سورية حتى بداية الوحدة مع مصر، وقد توقف عند النقد خلال تياراته الرئيسية، ولعل ذلك واضح من بعض عناوينه الفعالية النقدية لرابطة الكتاب السوريين والعرب - معالم مختلفة على طريق النقد الأيديولوجي اليساري - تدرجات يسارية للتيار القومي في النقد الأدبي- التيار القومي الوجودي - تدرجات أخرى للتيار القومي - معالم مختلفة على طريق النقد الشكلاني".‏

وفي الكتاب وقفة مع النقد الأدبي السوري بعامة، ومحاولة للبحث في خلفياته ومناقشة لفكر النقد، وقد وعد المؤلف بمتابعة حديثه في جزء ثان لم يرَ النور بعد.‏

ويبدو أنه ظهر وإن كان بصورة مختلفة عبر كتاب مساهمة في نقد النقد الأدبي) وقد قال: "ولقد سبق لي أن قدمت مساهمة في نقد النقد الأدبي في سورية، وكان في خطة تلك المساهمة التي غطت الأربعينات والخمسينات أن تفرد المرحلة التالية الستينات والسبعينات، بجزء خاص، بيد أن ما تهيأ لي من صلة بحركة النقد الأدبي العربية خلال تلك الفترة قد أكد أن التنويعات التي شهدها النقد في سورية، سواء على الشكلانية أم الماركسية أم الانتقائية، تجد حقيقتها الكبرى في المشهد النقدي العربي، ومن هنا كان النقد الأدبي في سورية، كما كان من جهة ثانية الجزء الثاني المأمول للكتاب السابق المعاصر، وبعبارة أخرى بمثابة مدخل لتاريخ جديد لهذا النقد"(22) .‏

وقد تناول المؤلف في كتابه هذا الحركة النقدية عبر أربعة فصول هي تنويعات على الشكلانية- تنويعات على الانتقائية- تنويعات على الماركسية- النقد والجامعة).‏

وتوقف عند بعض النقاد القاصين من مثل رياض عصمت- عدنان بن ذريل- محمد كامل الخطيب).‏

ويبدو أن المؤلف كان حاداً في بعض أحكامه على جهود الآخرين التي بذلوها طوال سنوات، لكن مما يسجل له مقدرته التحليلية والتقويمية والحرص على الشمولية، وكانت جرأته ضرورية وإن خالطها بعض الجور أحياناً.‏

ويبقى الكتاب محاولة مهمة يشار إليها بالبنان بصفتها شاهداً على محاولة تقويم النقد الأدبي.‏

أما جهود د. نعيم اليافي فقد بدت في كتابه المغامرة النقدية، وأول ما يلاحظ فيه المنهجية العلمية، والصراحة والوضوح والإحاطة، مما جعل المادة التي بين يديه مرنة تتقبل ما يراه فيه، إذ قام بفرز المادة وتصنيفها التصنيف الذي تستحقه، ولعل الخبرة ووضوح الأدوات الإجرائية كانت عوامل مهمة في صنيعه الذي اتضح فيه إيقاعه.‏

وقد أعلن د. اليافي منذ البداية ما الذي سيبقيه وما الذي سيستبعده(23) ؟ فالمراجعات في الصحف والدوريات مهمتها ملاحقة الإنتاج الجديد، والمقالات والدراسات والأعداد الخاصة والدراسات الجامعية خارج إطار اهتمامه، وقد صرف جهوده على الكتب التي تفرغت للقصة أو خصصت حيزاً واسعاً من اهتمامها لها.‏

ورأى د. اليافي أن إهمال الكتب الضعيفة أمر طبيعي، وقد قسم الناقد أنماط النقد الذي تناول القصة السورية إلى أربعة هي التاريخي) والأيديولوجي) والفني) والمقارن).‏

ويمكن أن يقال الكثير حول هذه التقسيمات، لكن كما هو واضح أن د. اليافي قصد الموضوع الرئيسي لاهتمام المؤلف، وقد وقفنا من قبل عند جرأته وموضوعيته حتى في حديثه عن كتابه تطور الشكل الفني للقصة في الأدب الشامي الحديث، وهو درس في نقد النقد يمكن أن يتخذ قدوة تحتذى في التعرف إلى الأخطاء وضرورة موضوعية النقد ونقده وعلميته.‏

ويمكن للباحث أن يشير إلى أن الناقد قد حرص على تقديم رؤية عامة في صفحات محدودات قادته إلى بعض أحكام القيمة التي تحتمل المزيد من النقاش وإعادة النظر(24) ، ومما يمكن أن يتنبه له هو ابتعاده عن الحكم على كتابي د. حسام الخطيب، إضافة إلى ضمّه كتابه الثاني المعنون القصة القصيرة في سورية: تضاريس وانعطافات) إلى النقد المقارن مع أن لا علاقة له بالنقد المقارن نهائياً، وشتان شتان بين كتاب يصرف نفسه لنقد مقارن وكتاب يستفيد من إجراءات ورؤى نقد ما(25) .‏

ويبقى من الواضح في بحث د. اليافي منهجيته ومرونة أدواته ضمن رؤية نقدية تعرف جيداً ما تريده وما تهدف إليه.‏

أما أطروحة نقد القصة القصيرة في سورية منذ نشوئه إلى عام 1985 للباحثة سهام ناصر:‏

فهي رسالة ماجستير لا تزال مخطوطة، ندبت نفسها للوقوف عند وضع نقد القصة القصيرة السورية من بذورها الأولى إلى منتصف العقد الماضي، وأول ما يلاحظ في الرسالة شموليتها واتساعها، مما تطلب جهوداً واسعة قامت بها الباحثة، وقد اتضح هذا من مرجعياتها أيضاً حيث عادت إلى مظانها من الكتب والدوريات وقد احتوت على تمهيد، ومجموعة من الفصول، حيث تم الحديث عن : تطور القصة القصيرة في سورية في الخمسينات- محاور النقد الأدبي في سورية، ملامح نقد القصة القصيرة في سورية - تطور القصة القصيرة في سورية في الستينات- نقدها في الستينات- الطروحات الجديدة في السبعينات ومطلع الثمانينات ثم توقفت عند معالم نقد القصة القصيرة واتجاهاته وبعد ذلك كانت الخاتمة.‏

وقد حاولت الباحثة المزج بين سمات المنهج العمودي والأفقي لتصل إلى مقولاتها التي تريد، وبذلت جهداً واسعاً كما هو واضح بكثير من الصبر والتأني غير أن الباحث لا يعدم وجود بعض ملاحظات لا يقصد منها تقويض ما في الرسالة، بل الإشارة إلى بعض الأمور كان بإمكانها تجنبها بشيء من التأني، من ذلك افتقادها إلى الجرأة في مواضع عديدة إذ غالباً ما اكتفت بالعرض والوصف، ولم تلجأ للتحليل كثيراً أو وضع النقاط على الحروف في عدد من القضايا، ولئن كان الوصف والتحليل مجدياً مع نقد الأدب إلى حد ما، فإن نقد النقد يحتاج إلى جرأة أوسع ومقدرة أكثر عمقاً في التحليل.‏

ومما يلحظ أن الباحثة استفادت من بعض الآراء دون إشارة(26) ، أو أن تأتي الإشارة متأخرة، وأحياناً تسهب في الحديث عن أحد الكتب، في حين تختصر ذلك وتهرب ومن تقويم بعض الكتب، إضافة لطول المقبوسات.. غير أن ما سبق لا يعني أنها دائماً لا تفلح في القبض على أهم ما طرحته كثير من الكتب، ويلحظ التكرار أحياناً فيما نحس أحياناً أنها بحاجة إلى التكثيف.. ولا تحرص على الاستخلاص بل تختم بخلاصة وليس باستنتاجات!‏

إن قراءة شمولية لمجموع ما كتب في القصة القصيرة السورية ونقدها تقود المرء إلى وضع مجموعة من الملاحيظ منها:‏

1- افتقاد كثير مما كتب الدقة في الحكم، وعدم قيامه على أسس منهجية، بل غالباً ما كتب في ضوء رؤى معينة قادت الكتاب إلى نتائج معدة مسبقاً.‏

2- عدم التركيز على الجانب الفني الذي يوضح كيف وصلت وإلى أين وصلت؟ على الرغم من أن المرء لا يعدم وجود ثلة من الآراء النقدية في الجوانب الفنية إلا أنها غير كافية.‏

3- الحاجة إلى تأريخ دقيق تقوده رؤية نقدية واضحة المعالم يعطي صورة واضحة عن أحوال القصة في سورية.‏

4- انشغال النقد إلى حد كبير بعدد من التجارب والتركيز عليها وإهمال تجارب مهمة وعدم إعطائها حقها في النقد.‏

5- ضرورة إعادة النظر بما قدمته جهود القاصين دون الوقوع بإشكاليات التمجيد أو التبخيس ومثل هذه الإعادة تحتاج إلى جهود منهجية.‏

6- الحاجة إلى قراءات في تجارب أعلام عديدين أفرزت خصوصيتها على مدار سيرورتها الكتابية.‏

7- ضرورة قراءة تجارب الثمانينات التي طاولها الإهمال ولم يتم تناولها نقدياً.‏

8- إعادة النظر في الحديث عن تجارب عديدة أعطيت فوق حقها، أو حسبت على نهج فني ما دون أن يكون لها كبير علاقة به.‏

9- إمكانية قراءة عشرات التجارب وفق مناهج نقدية حديثة يلحظ عدم حضورها أمام وجود مد لانطباعات اجتماعية وتأثرية.‏

(1) محمد نديم خشفة- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1990‏

(2) تحرير إبراهيم الجرادي - الأهالي- دمشق 1997‏

(3) عبد السلام العجيلي: دراسة في الفن القصصي والروائي ص5‏

(4) يتضح ذلك من لغته الإنشائية وعناوين فصوله اللاشعور والحياة- مع الغرائز - في تجارب النفس- في اللاشعور الأدبي) وليست المشكلة هنا، لكن المشكلة في حسن التوظيف، وهو ما لم يقدر عليه المؤلف.‏

(5) تشير مقدمة العجيلي إلى ما يريده الكتاب من النقد وعدم إعجابهم بما يقدمون من دراسات على الرغم من تهافت كثيرين كي تكتب عنهم دراسة ما، إلا أنهم حين يسألون عند النقد فإنهم يكيلون له حفنة من التهم وعدم الرضا!‏

(6) هي بنت الساحرة 1948- ساعة الملازم 1951 قناديل إشبيلية 1956- الحب والنفس 1959 - الخائن 1960 الخيل والنساء 1965- فارس مدينة القنيطرة 1971- حكاية مجانين 1972- الحب الحزين - وقد أصدر العجيلي بعدها عدداً من المجموعات.‏

(7) من ذلك عدد خاص من مجلة الناقد- عدد 82/ نيسان / 1995- لبنان - بيروت- شارك فيه: محمد الماغوط- إبراهيم الجرادي- رضوان ظاظا- وليد إخلاصي- غالب هلسا- عبيدو باشا- خالد زيادة- حسام الخطيب- صبحي حديدي- عبد النبي اصطيف- سمر روحي الفيصل- رياض عصمت".‏

(8) أغلب الدراسات عن القصة العربية تشير إلى تجربته، وقد اختلفت الآراء، إلا أن تجربته لا شك تجربة مهمة، لكن لم ولن يتوقف عندها تاريخ الأدب فقط.‏

(9) عبد الرزاق عيد- بيروت- دار الفارابي- 1989‏

(10) العالم القصصي لزكريا تامر- ص7.‏

(11) المرجع السابق -ص 39‏

(12) المرجع نفسه - ص ص39-41‏

(13) من المعروف والواضح في الكتاب الأرضية الماركسية للمؤلف.‏

(14) امتنان الصمادي- زكريا تامر والقصة القصيرة- المؤسسة العربية للدراسات- عمان- 1995.‏

(15) بدا ذلك جلياً في حديثها عن أثر الاستقلال اتكاءً على مصادر بالغت في تصوير ما حدث، وكأن الاستقلال كان حلاً سحرياً لواقع المجتمع - ص18.‏

(16) زكريا تامر والقصة القصيرة- امتنان الصمادي- ص14‏

(17) المرجع نفسه - ص ص131-145.‏

(18) نقد القصة في سورية منذ نشوئه إلى عام 1985- سهام ناصر.‏

(19) المغامرة النقدية - د. نعيم اليافي- فصل بعنوان نقد القصة السورية - ص ص161-192‏

(20) نبيل سليمان -النقد الأدبي في سورية‏

(21) من ذلك ما يصدر في الأعداد الخاصة في الموقف الأدبي.‏

(22) مساهمة في نقد النقد الأدبي- ص5‏

(23) المغامرة النقدية - ص162‏

(24) من ذلك حديثه عن كتاب د. شاكر مصطفى- محاضرات عن القصة في سورية. إذ إن هذا الكتاب يشكل مرجعية تاريخية مهمة - وقد استفاد منه د. اليافي في كتابه التطور الفني لشكل القصة القصيرة في الأدب الشامي الحديث كثيراً كما تشهد هوامشه بذلك.‏

(25) ذلك في الصفحات ص ص 184-185‏

(26) من ذلك استفادتها من رؤى د. نعيم اليافي - ص ص428-437 في تقسيمات النقد، إضافة إلى تبني بعض آرائه دون إشارة، علماً أن الرسالة جهد متميز إذ تشكلت من 470 صفحة، وقد قسمت النقد إلى مراحل، وتحدثت عن الظروف المحيطة والسمات، وشغلت نفسها كثيراً بعرض الكتب والحديث عن محتوياتها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244