المسرح العربي المعاصر قضايا ورؤى وتجارب ـــ د.عبدالله أبو هيف

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2002

Updated: Wednesday, September 17, 2003 04:01 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2 - عدنان بن ذريل باحثاً وناقداً مسرحياً

عدنان بن ذريل ناقد وباحث متعدد الاهتمامات والعناية بالأجناس الأدبية وبالفنون مثل المسرح والرقص والموسيقى والفنون الشعبية، وقد توّجها بكتابته الفكرية والفلسفية الغزيرة التي ميّزت نقده وبحثه في الآداب والفنون أيضاً.‏

1ـ إطار التجربة النقدية:‏

لعلنا ننظر في مكانة المسرح في نقد عدنان بن ذريل من خلال مناقشة كتابه النقدي الأخير «النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» (2000)، وهو كتاب جديد(1) لشيخ النقاد في سورية يتابع فيه مشروعه النقدي الألسني الذي بدأه رائداً ومجدداً في الثمانينيات من خلال كتبه: «اللغة والأسلوب» (1980م) و«اللغة والدلالة» (1981م) و«اللغة والبلاغة» (1983م) و«النقد والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» (1989م).‏

لقد اتجه النقد الأدبي العربي الحيدث منذ مطلع السبعينيات، على استحياء، إلى المناهج الحديثة الغربية كالشكلانية والبنيوية واللغويات وما خالطها من اتجاهات فيما بعد كالأسلوبية واللسانية والعلاماتية والتفكيكية والألسنية، غير أن ابن ذريل، وهو أحد رواد النقد الأدبي منذ الأربعينات دعا إلى التجديد باكراً، وقد كانت له صولات وجولات في التعريف بالرمزية والمنهج النفسي والتاريخي، وتشهد على ذلك مقالاته الكثيرة المثبوتة في الدوريات، وكتابه عن «عبد السلام العجيلي: دراسة وصفية نفسية» (1970م).‏

وقد اختار الألسنية وما يجاورها من اتجاهات حداثية في السبعينيات فكتب فيها نظرياً وتطبيقياً، ولعل كتابه «مسرح علي عقلة عرسان» (1980م) الجهد الأكبر الملحوظ في سياق تجربته النقدية التي صارت إلى إحاطة أوسع وأشمل وأعمق بهذا الخيار الفكري والنقدي، فقد شكل ابن ذريل على مدار أربعة عقود من الزمن صوتاً نقدياً منفرداً خارج سرب النقد الأدبي الحديث في سورية الذي جرفته الصراعات الأيديولوجية والتبشيرية.‏

ابتعد ابن ذريل عن الجماعات الثقافية والنقدية ولاسيما المتحزبة أو المؤدلجة منها، وحافظ على دور متوازن بين الصحافة والأدب، ونأى عن زج نفسه وقلمه في المعارك النقدية معتقداً أن من الأفضل له وللحركة الأدبية الناهضة في سورية أن يكتب نقداً ضمن مساره الخاص الذي شقّه شاباً، وأعني به تعريب النقد الأدبي الغربي الحديث وتأصيله في حركة الثقافة العربية المعاصرة. ومن الواضح أن شغله النقدي اعتمد على الدوام على مثل هذا التعريب، وليس مجرد الترجمة أو النقل مستنداً إلى خلفية متينة من درس التراث النقدي الغربي، ولاسيما البلاغي الذي سيطوره لتمثل إنجازات الحداثة النقدية التي دعا إليها مغلِّباً الاتجاه الألسني مع ميل بنيوي وشكلاني واضح، وقد كان الاختيار واضحاً تقوى مع استغراقه في نقد السرديات، وهو ميدان تضاعفت أهميته الراهنة بتتويج فنون النثر القصصي على بقية الأجناس الأدبية بوصفها اكثر استجابة للعصر، ويتضح ذلك بجلاء في هذا الكتاب «النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق»، ربما بتأثير انصراف النقد الشكلاني والبنيوي إلى السرديات بالدرجة الأولى، وربما أيضاً بتأثير تعقيد السرديات قياساً على الأدب الغنائي أو الوجداني أو الذاتي حيث فنون النثر تلازم تعدد الحوار وتنوع الكلام وموضوعية الخطاب، وسنلاحظ انصراف القسم النظري في هذا الكتاب إلى تحليل السرد والنص السردي: لغته، أسلوبيته ملاشاته اللغوية، قراءة تحليله، بلاغته وإبلاغيته، منظوره السردي، نجواه وحواريته، إلخ، أما التطبيق فلم يحظ فيه الشعر إلا بفصلين من أصل أحد عشر فصلاً، أحدهما للقصة وثانيهما للمسرحية، بينما كان هناك سبعة فصول للرواية.‏

أراد عدنان ذريل من كتابه أن يعرف بطرائق المنهجية الألسنية في النقد الأدبي والأسلوبية، مركزاً من جهة على النص وخصوصيته، ومن جهة ثانية على الأسلوب وتفرده، فالنص والمجال الحقيقي الذي تنعكس فيه الملامح الأسلوبية للكاتب المنشيء، كما أن الأسلوب هو الألق الشخصي لفرادة هذا الكاتب المنشيء، فخصص ناقدنا الفصل الأول لتعريف النص وفق مأثور النقد الفرنسي الجديد، وأعلامه البارزين كتودوروف وبارت وكريستييفا، موافقاً على أن النص هو لغته، لأن"تحولات اللغة الأدبية تمثل الممارسة الجدلية للذات داخل اللغة، وأن التاريخ هو مجموعة نصوص أكثر منه تاريخية دون لغة.‏

وانطلق ناقدنا في الفصل الثاني «الأدبية والنص» من مأثور الشكلانيين الروس، ولاسيما شكلوفسكي على أن الأدبية (أي الخصائص التي تجعل من الأدب أدباً) هي محك النص ومحل دراسته، غير أن الشكلانية أو التعمق في بحث الخصائص الشكلية لا يكون بمعزل عن واقعه، وهذا ما جعله يخوض في الفصل الثالث في «البيئة الأدبية والأسلوبيات» منطلقاً من مفهوم العلامة عند دي سوسور، إلى البنية الوظيفية عند مدرسة براغ، إلى الأسلوبيات والأسلوب كزخرفة أو كدلالة ذاتية، أو كتمثيل، أو كنمط، لأن عمل المحلل الألسني كما يكتب، يقتصر على «ربط النص» باللغة التي كتب بها، وبذلك تصبح «الأسلوبيات» دراسة مقارنة لأنماط التفصيلات التي يظهرها الكاتب في اختياره للغته، ضمن المصادر اللغوية التي في متناوله، أو بعبارة أخرى، تدرس الأسلوبيات تواترات الاختيار النسبية التي تميز لغة النص عن لغة غيره، أي هي، بتعبير هاليدي، تطبيق للألسنية أكثر منها توسيع لها.‏

ثم درس ناقدنا في الفصل الرابع «ظاهرة الأسلوب ما هي؟» متتبعاً تعاريفه وما يثيره من قضايا تتعلق بالممارسة العملية ومجال الدلالات، فالممارسة العملية هي الفعالية منظوراً إليها في سياقها الحركي، وعلى الخصوص في الظروف الاجتماعية التي تعطيها «دلالتها» في عالم معاش فعلاً. وهكذا توقف ملياً عند تعددية «الشيفرة» والسنن العلامات لأهميتها في فهم ظاهرة الأسلوب وتنظيمه للخطاب أو الرسالة، مميزاً بين البلاغة والأسلوب، ثم انتقل إلى تصنيف الأساليب عند بيير جيرو بالنسبة إلى طبيعة التعبير أو مصادره أو مظهره. ومن الواضح أن ناقدنا يوافق على التصنيف، مما يثير أسئلة كثيرة حول استحكام ظاهرة الأسلوب للعلائق اللغوية أو البلاغية وحدها، ويجعل من البعد الدلالي في شبكة علاقات النص أمراً عصياً على تمثلها، وهو ما تتعمقه علاقات الأبنية التركيبية أو علاقات الأبنية الدلالية. وعلى وجه الخصوص، حيث ينهض النص إلى أبعد من مستويات تركيبه اللغوي والبلاغي إلى تعدد قابليات تأويله أو انفتاحه على مرجعياته ومفرداته الغائبة.‏

ولعل هذا التركيز على المكون اللغوي أو البلاغي هو الذي قاده إلى تخصيص الفصل الخامس لبحث «البلاغة الجديدة» من خلال تنظير بيريلمان للتوكيد على الفعالية الدلالية، فلا تعود العلامات اللغوية تمثل الأشياء بقدر ما هي تتحول نفسها إلى «أشياء»، فتحتل مكاناً في سلم القيم، كما تسهم في الشعائر، وبينما نجد «اللغة» في المجتمعات الديمقراطية ملكاً لكل الناس، وتتطور بحرية تامة، نجد أن اللغة في المجتمعات المتراتبة يتم تجميدها، بحيث تكتسب طابعاً شعائرياً ومقدساً.‏

ويفرد الفصل السادس لأسلوبية الرواية للإجابة عن أسئلة الأدبية إزاء الواقع كما عالجها باختين طلباً لما تعكسه من علاقات اجتماعية وتاريخية هي شيء مما يعيشه الأبطال من تبانيات ومجاوزة الشكلانية إلى فنية ما وراء الألسنية، حبث امتدادات القول الاجتماعية، وما ترتبها من مفاهيم نقدية مثل «تعددية الاصوات» و«تصادم الأديولوجيات» وغيرها.ويفيد ذلك أن باختين يتجاوز الشكلانية منذ كتابه عن «ديستويفسكي» المسمى«معضلات شعرية ديستويفسكي» (1929) متخطياً فنية الشكلانية الساكنة، أي اللغوية القديمة، فالرواية لا تتجه إلى جلاء وعي المؤلف في عالم وحيد فحسب، وإنما تكشف عن أنواع الوعي الأخرى للأبطال، واحداً، واحداً، بشتى عوالمهم، وهم يندمجون في وحدة حدث معين.‏

وهذا يعني أن البطل لم يعد مجرد موضوع يخص وعي المؤلف، بل هو وعي آخر، وأحياناً غريب، بما يفيد أن المؤلف هو الفاعل للكلام الفردي، أما النص أي الرواية فلم تعد انعكاساً لأيديولوجية وعي المؤلف، وإنما أصبح تصادماً لأيديولوجيات متنوعة،ذلك أن الفكرة في نظر باختين، حدث يجري حتى نقطة التلاقي التي هي الحوارية، إلا أن التفكير الإنساني لا يتحول إلى فكرة دون الاحتكاك الحي مع فكرة أخرى تتجسد في الآخر، وأيضاً أصوات الآخرين. والكلمة نفسها، أي القول الروائي، تسمح بذلك، لأنها تتكشف عن أنها مأخوذة من عدة أصوات، أو تأتي في تصالب عدة ثقافات، إلا أنها، كما يقول باختين، تكون في الأساس أيضاً كتابة بيضاء تهرب من جميع السماكات للعوالم، أو التي للدلالات الحافة، فتعيد للنظام اللغوي حريته وفنيته.‏

وفي مثل هذا الشرح يمضي ناقدنا في التعامل مع الحامل الأيديولوجي للنص بما هو تحقق لغوي في السرد بالدرجة الأولى، مبيناً تطور فكرة الحوارية من الشكلانيين إلى إنجاز باختين مستنداً إليهم، حيث البذرة كانت موجودة عندهم، وتقوم على فهم خاص لانعكاس الواقع في الأدب، ويتوقف ناقدنا على عجل عند بعض من عالجوا ذلك التطور مثل فولوسينوف ومدفيدييف على أن الأدب يمثل الأيديولوجية في نظرهم، وهو شكل متميز لتجسد التفاعل الاجتماعي.‏

وقد تتبع ناقدنا قضايا أسلوبية الرواية بالنظر إلى بعدها الأيديولوجي المجرد، أو بعدها الأيديولوجي الدعائي والتبشيري فقط كما في كتاب باختين التالي «الكلمة في الرواية» (1941م) للإفصاح عن الأصالة الأسلوبية في الرواية والخصائص المميزة للرواية والنجوى والحوار فيها، ممهداً بذلك للتفصيل في أساس نظريته لفهم الرواية في خطين أسلوبيين، الأول خصيصته أحادية اللغة، والثاني الذي يدرج التنوع الكلامي في صلب الرواية موزعاً توزيعاً أوركسترالياً، ومتخلياً في كثير من الأحيان، عن «كلمة» المؤلف المباشرة، وإليه ينتمي أعظم ممثلي النوع الروائي في أوروبا الحديثة.‏

ثم يشرح ناقدنا في هذا الإطار أنماط التحليل الأسلوبي والأسلوبية السوسولوجية مدخلاً لدرس «النص السردي وطرائق تحليله» وهو موضوع الفصل السابع، وفيه يمعن ناقدنا النظر والقول في العنصر اللغوي في التحليل البنيوي معالجاً قضايا النص الفردي والقراءة والبويطقيا والنمذجة السردية عند تودورف وباروت وجريماس وجينيت مشيراً إلى بزوغ علم السرد الذي غدا مكرساً مع جهود البنيويين ومن تلاهم، أو حذا حذوهم، أو انطلق من عصر ما بعد البنيوية.‏

ويخصص ناقدنا الفصل الثامن لمصطلح «الملاشاة اللغوية» سواء أكانت تهديماً طبيعياً، تتكشف عنه لغة النص، أو طريقة تحليل لغوي للنص على سبيل التفكيك، ما دامت الملاشاة اللغوية ـ بتعبيره ـ تقوم على جدلية حميمية تكشف عن مركزية الذات، إذ أنها تتحرك في الذات، وبالذات، وضد الذات، أي هي مباشرة ذاتية لإمكانيات اللغة في التعبير، الأمر الذي يعطي الجملة قدرة تعبيرية لتكون «ابتداءاً عاطفياً» أو «ابتداءاً فكرياً»، كما يعطي النص قدرة تعبيرية ليكون مجال «تعددية الأصوات» ومجال «تصادم الأيديولوجيات» بعد ذلك فيبرز ناقدنا طرائق التحليل المختلفة، كما عند جماعة «تل كل»، ويوضح خصوصية مصطلح «الملاشاة اللغوية» كالابتداء وضياع الذات وتخلخل النص وإعادة بنائه والصوت بوصفه ابتداءاً موقفياً، للوصول إلى خلاصة ذات دلالة عن صلة القول السردي بالمؤلف، حين نجد أن المؤلف مبدئياً هو السارد التقليدي للنص، هو صاحبه وصانعه، فيصنع أنواله ويصبغها بصبغة فكره وأيديولوجيته، إلا أن النص يكشف أيضاً عن قائلين غير المؤلف، هم هؤلاء المجادلون لواقعهم، يطمعون إلى تحقيق ذواتهم، فيكونون أصوات مواقفهم في تجربة المسرودية ككل.‏

ويخصص ناقدنا بقية فصول كتابه للنقد التطبيقي على النحو التالي:‏

- الفصل التاسع: رواية شكيب الجابري «وداعاً يا أفاميا».‏

- الفصل العاشر: رواية هاني الراهب «الوباء».‏

- الفصل الحادي عشر: رواية عبد النبي حجازي «المتألق».‏

- الفصل الثاني عشر: رواية فاضل السباعي «ثم أزهر الحزن».‏

- الفصل الثالث عشر: ديوان علي عقلة عرسان «تراتيل الغربة».‏

- الفصل الرابع عشر: ثلاثة حنا مينه «حكاية بحار».‏

- الفصل الخامس عشر: روايتا نبيل سليمان «الأشرعة وبنات نعش» (والأصح هما الجزآن الأول والثاني من رباعيته «مدارات الشرق»).‏

- الفصل السادس عشر: ديوان فؤاد كحل «أزهار القلب».‏

- الفصل السابع عشر: تجاوز المعيار في روايتين هما «البلاغ رقم9» لمسعود جوني و«الرجل والزنزانة» لوهيب سراي الدين.‏

- الفصل الثامن عشر: مجموعة مالك صقور القصصية «الجقل».‏

- الفصل التاسع عشر: مسرحية خالد محيي الدين البرادعي «جزيرة الطيور».‏

وفي هذه الفصول التطبيقية جميعها يستند ناقدنا إلى إرث النقد الحداثي الذي تقصى بعض جوانبه في فصول كتابه النظرية، فيلتفت في نقده التطبيقي عن أدوات النقد التقليدي الشارح إلى الكشف عن بنيان النصوص وآلياتها الأسلوبية بمزيد من الإيجاز والتكثيف، باذلاً بعض العناية بتاريخية النصوص المدروسة، وموجهاً رأيه النقدي لاستصلاح الاستجابة المتبادلة بين النص وأسلوبيته نحو تبيين القول فيه ومستوياته، وخلل ذلك كله، وفي الأساس، تبيين جماليته، وهو يؤدي ذلك في اتجاهين، الأول: تعريفي ينزع نحو تبسيط المنهج النقدي وتقريب مصطلحه، وقد يدعوه ذلك إلى تكييف المنهج ومصطلحه لطبيعة النصوص العربية لامدروسة، والثاني تقويمي متعاطف غالباً في النصوص المدروسة، ولنأخذ كتابته عن رواية شكيب الجابري «وداعاً يا أفاميا» نموذجاً لنقده التطبيقي. ويقع هذا النقد في أقل من عشر صفحات مبدوءة بنبذة تعرف بمكانة الجابري وروايته في بضعة أسطر، ثم يعلل هذه المكانة بفقرة تحت عنوان «الموجة الأولى» بحدود صفحة واحدة عن الرواية ومرحلتها في التأريخ الأدبي في سورية. أما مدخله لنقد الرواية فكان مصطلح «مونولوجية» كما استعمله باختين، ويقصد به الرواية التي يسيطر عليها صوت المؤلف، وتظل تحت سيطرته، في حين أن روايات ديستويفسكي «بوليفونية»، تعكس تعددية الأصوات، ويظل أبطالها متمايزين عن المؤلف بأصواتهم. ويوضح ناقدنا رأيه بالحديث عن الرواية المدروسة. وفي الفقرة التالية «شاعرية ذاتية» مقاربة أخرى لطبيعة الرواية المدروسة وأسلوبية كاتبها حيث غلبة الملفوظات على السرد، ليكون الترسل الروائي في «وداعاً يا أفاميا» شاعرياً، وعلى الخصوص، متصلاً بذاتية المؤلف وأذواقه، كما ظلت في الحوادث والتحليلات فيها في حدود الرصد القطاعي الرومنطيقي لتجربة شخصية المؤلف، أكثر منها حوادث وتحليلات لمأساة حدثت في ظروف درامية قاهرة أو صعبة.‏

ويعلل ناقدنا في فقرة «لغات» ظهور عدة لغت في الرواية المذكورة مثل اللغة المعلوماتية ولغة الحكواتي واللغة العاطفية، وكيفية وضع هذه اللغات في بنية الرواية السردية، ويفصل القول في اللغة العامية وأساليبها خاتمةً لنقده.‏

وتثير طريقة الناقد عدنان بن ذريل أسئلة كثيرة أشير إلى أهمها، وهو الموقف من تعريف المناهج النقدية الغربية داخل الصراع بين التبعية والتأصيل، وكأنه لا يقرّ بمثل هذا الصراع معترفاً بمكان رئيس للمثاقفة في الجهود القائمة بتأصيل النقد العربي الحديث، على أن تراث الإنسانية تراث مباشر ومتصل للنقاد العرب المعاصرين، إذ لا جدوى كبيرة من مماحكة شؤون الهوية الثقافية، لأنه، وهو يكتب فصول كتابه النظري، يدرج إسهامات نقد الحداثة الغربية وما بعدها في حركة الثقافة العربية ببساطة، بل إنه يورد تطبيقات جزئية أو إلماحات مقارنة لها من الثقافة العربية والإبداع العربي الحديث أو علم البلاغة العربية، وهذا كثير في متن الفصول وفي الهوامش والإحالات لكل فصل، وهي تطبيقات وإلماحات في غاية الأهمية.‏

ومن الأسئلة أيضاً، تجنب ناقدنا لمسائل انتشار هذه المناهج النقدية الغربية، وتأثيرها في النقد العربي الحديث، كما أنه غير معني بتكون هذه المناهج في بيئتها وفي الثقافة الحديثة، وأذكر على سبيل المثال، أنه تحدث عن باختين مستخدماً إنجازه النقدي دون معالجة الإشكاليات الكثيرة التي رافقته أو تلته، فمن المعروف أن باختين عني باللغة بالدرجة الأولى، وتلمس الإجابة في كتابه المبكر «الماركسية وفلسفة اللغة» (1929م) منطلقاً لمنهجه في نظرية الأدب ولا سيما نظرية الرواية، وأن بحثه في لغة الرواية وأدبيتها أو شعريتها كما شاع عند الكثيرين، لم يجد أجوبته المحددة في بحثه عن ديستويفسكي، مما دعاه إلى العناية «بأشكال الزمان والمكان في الرواية» (1938م) أي حركة التاريخ. أما ناقدنا فقد تجنب هذه الإشكاليات على أن نظرية باختين ناجزة وقابلة للتطبيق، ولا فائدة من المماحكة.‏

وثمة سؤال آخر هام حول تعريب المصطلح النقدي، فعلى الرغم من جهود ناقدنا الشيخ عدنان بن ذريل في هذا المجال، فإنه غالباً ما يورد المصطلحات بلفظها الأجنبي، وهذا أمر يحتاج إلى رأي وتفسير، لأنه لا يستقيم مع جهوده الريادية الكبيرة التي أشرنا إليها، وهي واضحة في كتبه النقدية المتعددة ومنها مجموعة كتبه في مجال اللسانيات، وكنا أشرنا إليها من قبل، ومجموعة كتبه في علم الجمال والمسرحية والموسيقى والفنون الشعبية، وقد زاد عددها على عشرة كتب، وهي واضحة أيضاً في كتبه الفلسفية ولا سيما الفكر الجدلي والفكر الوجودي، مثل: «البعد الروحي في تفسير الوجود والزوال» (1971م)، و«الفكر والمعنى: تفسير جدلي للمعرفة» (1971م). و«ظواهرية الوجود الجدلي: دراسة وجودية في النقيض» (1972م) و«التفسير الجدلي للأسطورة» (1980م) و«الفكر الوجودي عبر مصطلحه» (1985م)، و«الأرجوزة في الوجود والعدم» (1990م).‏

على أن هذا كله، وربما لهذه الأسباب، يؤكد في الوقت نفسه، أهمية هذا الكتاب ونقد بن ذريل بعامة في تطوير النقد الأدبي العربي الحديث، وفي تطوير الإبداع العربي الذي يتجه إليه هذا النقد، لأن من فضائل ناقدنا عنايته الفائقة بتعريب المناهج النقدية الغربية وإدراجها في سياق النقد العربي الناهض من جهة، وعنايته الفائقة بنقد الإبداع العربي الحديث بروح إيجابية تكشف عن المستوى المتقدم والمضيء للأدب العربي الحديث في سورية من جهة أخرى.‏

2ـ النقد المسرحي:‏

كان البحث المسرحي أبرز فعاليات شيخ النقاد في سورية، فقد شرع عدنن بن ذريل بالنشر في الدوريات الأدبية العربية منذ أربعينيات القرن العشرين حين درس الأدب والفلسفة في جامعة القاهرة، وعاد إلى دمشق دون أن يكمل دراسته العليا، ثم تنازعته أهواء الفن الموسيقي، إذ عمل عازفاً لفترة طويلة في الفرق الرسمية والخاصة، والنقد الأدبي والفني، والتأليف الفلسفي، على أن كتابته في بحث المسرح ونقده رائدة في ميدانها.‏

وكان كتابه «فن المسرحية مع تلخيص حديث لكتاب الشعر لأرسطاطاليس» (1963م) الأول المخصص للتعريف بهذا الفن القديم ـ الحديث، ثم تلته الكتب التالية: «الأدب المسرحي في سورية» (1964م)، و«المسرح السوري منذ أبي خليف القباني إلى اليوم» (1971م)، و«في الشعر المسرحي: أحمد شوقي ـ عزيز أباظة ـ عدنان مردم بك» (1970م)، و«مسرح وليد مدفعي» (1970م) و«الشخصية والصراع المأساوي: دراسة نفسية في طلائع المسرح الشعري العربي: أحمد شوقي ـ عزيز أباظة ـ عدنان مردم بك» (1973م)، و«مسرح علي عقلة عرسان» (1980م)، و«رواد المسرح السوري بين أواسط العشرينات وأواسط الستينات» (1993م)، و«فن كتابة المسرحية» (1996م). وهو طبعة ثانية معدلة من كتابه السابق «فنّ المسرحية»(2).‏

وقد وضع عدنان بن ذريل عدة كتب في الموسيقى والفنون الأخرى هي «تطور السماح» (1966م)، و«الموسيقى في سورية: البحث الموسيقي والفنون الموسيقية منذ مائة عام إلى اليوم» (1969م)، و«معجم رقص السماح» (1970م) و«القبا والشيخاني: دراسة في التراث الموسيقي الشعبي» (1971م)، و«تراث الدبكة في الموسيقى الشعبية السورية» (1972م).‏

2-1- التوصيف:‏

لقد كان البحث المسرحي الأبرز في كتابته بالنسبة للنقد، حتى مطلع سبعينيات القرن العشرين حين مازج بين البحث والنقد في كتبه عن المسرح الشعري العربي ـ وبعض أعلام المسرح في سورية، وهما وليد مدفعي وعلي عقلة عرسان اللذين خصهما بكتابين، طبق على الأول التحليل النفسي والأتباعي، وعلى الثاني التحليل البنيوي، ثم قارب على استحياء بعض النصوص المسرحية في مقالاته وأبحاثه التالية من منظور التحليل الألسني، وكان ظهر منها بحثه عن مسرحية «جزيرة الطيور» لخالد محي الدين البرادعي في كتابه النقدي الأدبي الأخير «النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق» (2000م).‏

أما كتبه الأخرى فتلتزم بالمنهج التاريخي والإتباعي في بحث المسرح ونقده، بل إن الوصف التاريخي والمنهجي هو الأغلب، وهذا ما دعاه إلى تلخيص كتاب الشعر لأرسطاطاليس عام 1963م، وأعاد هذا التلخيص معدلاً في عام 1996م، على الرغم من التطور الكبير في تحديث مناهج النقد الفني والأدبي، ولا يخفى أن عدنان بن ذريل قد مدّ تجريبه البحثي والنقدي إلى التحول المستمر من منهج لآخر، فلا يقع المرء على منهج نقدي وبحثي واحد يتطور من مرحلة لأخرى، فثمة تعدد في المناهج النقدية والبحثية، وثمة استجابة مباشرة للمناهج الحديثة.‏

2-2- موضوعات البحث والنقد:‏

حرص عدنان بن ذريل على تنوع موضوعات البحث والنقد المسرحي، فعمد إلى التعريف المنهجي بفنّ المسرحية لأول مرة بنظرة، لأنّ هناك عشرات المؤلفات الأخرى التعريفية بفنّ المسرحية، مؤلفة ومترجمة باللغة العربية قبل ظهور كتابه، وقد اعتمد على عدد كبير منها في مقايساته ومقارناته وإيضاحاته، وحاول أن يحدد المصطلحات في أدبيتها بالدرجة الأولى. ويلاحظ أنه أعاد طباعة الكتاب معدلاً بعد أكثر من ثلاثة عقود على تأليفه، وأضاف إليه إشارات إلى مسرحيات ومؤلفات عن المسرح، مما زخرت به المكتبة العربية المسرحية، مثل «علم النفس ـ دراسة للتكيف البشري ـ بيروت 1966م ـ ج1» (ص36)، ومبادئ علم الجمال «لشارل لالو ـ دمشق 1971م »(ص46) و«المسرحية التاريخية في المسرح العربي المعاصر» لأحمد زياد محبك (ص51)، و«الفلسطينيات» لعلي عقلة عرصان (ص70).. الخ.‏

وأضاف تعديلات طفيفة على كتابه، مثل الفصل السادس عن «المسرحية والمكتسبات الألسنية» مما أولع به في العقدين الأخيرين من شغله النقدي (ص77-81)، ومثل الإلماحة إلى التعريف الأدق للمسرحية أو الدراما، وكانت تعريفاته السابقة جميعها تجانب هذا التعريف الذي ذكره إبراهيم سكر في كتيبه «الدراما الأغريقية القاهرة 1968م»، وهو أن كلمة دراما مشتقة من الفعل اليوناني «دراؤ» بمعنى أعمل، فهي تعني أذن أي عمل، أو حدث، سواء في الحياة أو على خشبة المسرح (ص60).‏

ثم اتجه إلى الدراسة التاريخية للأدب المسرحي في سورية، مما شهد له الكثيرون بمعرفته العميقة والدقيقة بالماضي المسرحي، وعاين تطور الحركة المسرحية مدققاً وشارحاً لمفاصلها وأعمالها وروادها في كتابه «المسرح السوري منذ أبي خليل القباني إلى اليوم».‏

وقد استكمل هذا الجهد التأريخي في كتابه «رواد المسرح السوري» الذي يحفل أيضاً بتفاصيل الحركة المسرحية من حيث الفرق الفنية الهاوية والمحترفة، والعلاقة بالفنون الأخرى كالموسيقى والسينما والتمثيلية الإذاعية، ومن حيث ذكر الإداريين والفنيين والرواد المسرحيين الأبرز في زمنهم مثل عبد الوهاب أبو السعود وتوفيق العطري ووصفي المالح وأكرم خلقي ومحمد علي عبده وعبد اللطيف فتحي وسعد الدين بقدونس ونزار فؤاد ومحمود جبر. وخصص الفصل العاشر من كتابه للنشاطات والتجمعات النقابية والفصل الحادي عشر للتجارب المميزة للرواد المتميزين مثل أنور المرابط وموسى عكرماوي وعبد الله النشواتي أبو شاكر والفصل الثاني لطلائع المسرح القومي، وضم إلى الكتاب ملحق مصور حوى عشرات الصور الناردة في موضوعه (ص221-290).‏

ووضع كتابه «في الشعر المسرحي» الذي يعنى بالمنهج التاريخي الوصفي في رؤية طبيعة هذا التأليف المسرحي وتجلياته لدى بعض أهم رواده العرب في مصر وسورية. ثم طبق المنهج النفسي في بواكيره الأولى في دراسته عن «الشخصية والصراع المأساوي»، ومن خلال نتاج طلائع المسرح العربي العربي أنفسهم، فدرس علم النفس العام وعلم النفس وظهوره في المسرح الشعري والشخصية في علم النفس العام، والشخصية المسرحية، والصراع نفسياً ومسرحياً تمهيداً لدراسة الشخصية والصراع بعامة وشخصيات المسرح الشعري العربي بخاصة.‏

وانتقل إلى دراسة بعض أعلام المسرح في سورية، فحضّ «مسرح وليد مدفعي» بكتيب شارح يمزج بين الوصف التاريخي والتحليل الأدبي والفني والنفسي، ووسع دراسته لمسرح علي عقلة عرسان في كتاب كبير مستفيداً من التحليل البنيوي واللساني الشائع إبان فترة تأليفه.‏

2-3- منهجية البحث والنقد:‏

لم يستقر عدنان بن ذريل على منهج واحد في البحث والنقد، بل تقلب من منهج لآخر، فاعتنى بالمنهج الرمزي في كتاباته المبكرة وما مازجه من أمشاج نفسية وأسلوبية تطورية(3).‏

وعالج موضوعاته المسرحية في الفترة التالية (الستينيات على وجه الخصوص) بالمنهج الوصفي التاريخي، ونختار حديثه عن الفصل الأول- الباب الأول: «مصطلحات أدبية»، والفصل الرابع: «الشخصية والطباع» مثالاً لذلك، فقد عرف المسرحية لغوياً وتاريخياً معتمداً على التاريخ المسرحي العالمي حيناً، والفنون الشعبية المسرحية العربية ومحاولات المسرحة العربية حيناً آخر، ويتداخل الحديث غالباً بين المتن والهوامش، فيقلّب المفهوم في المتن، ويعقب عليه في الهوامش، وتتبدى في كتابته كلها وفرة المعلومات التاريخية والحرص على المحاججة المنطقية الصورية، ولطالما كرر أقواله من صفحة لأخرى، ونورد نموذجاً من المتن والتعليق عليه في الهوامش:‏

«كما نجد المترجمين(1)، مثل إبراهيم سامي مظهر، وأمين حداد، وإبراهيم رمزي، وسامي جريديني، وفرح أنطون أيضاً، وميخائيل جهشان، وخليل مطران، وغيرهم، يطلقون لفظ ـ روايات ـ على مترجماتهم، لأعمال: شكسبير، واسكندر ديماس، وكريستوف شميد وفيكتور هيجو، وغيرهم(2). وقد ظل مصطلح ـ رواية ـ شائعاً، في الدلالة على العمل المسرحي، حتى فترة متأخرة. فهذا أحمد شوقي، يطلق بعد عام 1928م على مسرحياته الشعرية لفظ ـ روايات ـ، وينشرها الرواية تلو الأخرى، مثل رواية مصرع كليوباترة، ورواية قمبيز، ورواية علي بك الكبير، وغيرها.. وقد لوحظ، في تلك الحقبة أيضاً، أن عباس محمود العقاد يطلق على كراسه، في نقد مسرحية قمبيز الشعرية، لأحمد شوقي، عنواناً يحمل لفظ ـ رواية ـ، فجعله: رواية قمبيز في الميزان(3).‏

(1) لوحظ أن الرواد الأوائل في الترجمة، كانوا يترجمون دون إعلان عن ذلك، مثل ذلك عائدة ترجمها سليم النقاش عن الإيطالية، وظلت مدة طويلة باسمه، وكذلك لباب الغرام لأبي خليل القباني، هي نفسها مثريدات لراسين ويرجح أنه ترجمها عن التركية، أو ترجمها له إسكندر فرح، كما لوحظ على الفترة الأولى من المسرح العربي، ترجمة المسرحية الواحدة عدة مرات، مثال ذلك هملت لشكسبير، ترجمت ست مرات، ترجمها طانيوس عبده، وجورج ميرزا، ونجيب حداد، وأمين حداد، وسامي جريديني، وخليل مطران.. كما لاحظ الدارسون، مثل محمود حامد شوكت أن الترجمة الفنية الدقيقة لم تأت إلا متأخرة، فأصبحت بالفصحى، وأبعدت عنها الأشعار، والسجع، وحوفظ فيها على النص الأصلي..‏

(2) مثلاً ترجم إبراهيم سامي مظهر: ـ رواية توسكا، ذات ثلاثة فصول، تمثيلية، لشكسبير؛ 1899م؛ وإبراهيم رمزي: ـ رواية الملك لير، فاجعة ذات خمسة فصول لشكسبير، مصر، وراجعها خليل مطران، وزكي المهندس، وكي طليمات؛ وأمين الحداد؛ ـ هملت تمثيلية مأساة ذات خمسة فصول، لشكسبير دمشق، 1347هـ؛ كما ترجمها أيضاً سامي جريديني، وغيره وفرح أنطون: رواية البرج الهائل، تمثيلية، ذات خمسة فصول، لإسكندر ديماس، الإسكندرية 1899م وميخائيل جهشان: ـ رواية جنفياف، رواية تاريخية، غرامية أدبية.. ذات خمسة فصول، بيروت 1899م؛ وخليل مطران: رواية هرناني، مسرحية، مصر، كما ترجم عدداً كبيراً من مسرحيات شكسبير.. وغيرهم..‏

(3) يقول عباس محمود العقاد، ص3: ـ ورواية قمبيز التي نظمها الشاعر أحمد شوقي تدور على قصة قديمة. أو يقول ص4 ـ: ولهذا قصرنا الكلام على قيمة الرواية الأدبية. والتاريخية، ولم نتعرض لقيمتها التمثيلية ـ أو يقول ص5: ـ فضل الشاعر الذي ينظم الروايات التمثيلية يبدو في ثلاثة أشياء هي: 1- حسن النظم، والصياغة، 2- تمحيص حوادث التاريخ، و3- ابتكار الخيال فيما قصر فيه المؤرخون، وسنبدأ بالكلام عن النظم في رواية قمبيز لأنه أحرى الأشياء أن يجيده شوقي وأولاه. ـ وغير ذلك كثير..» (ص13-14)‏

وشرح مفهوم الشخصية والطباع في المتن، منتقلاً في شواهده من المسرح العالمي إلى المسرح العربي، فيما هو أقرب إلى نظرة الطائر إذ لا يتعمق في التعريف وتحديد المفهوم، مكتفياً بإشارات مدرسية:‏

«وقد أطلق نفر من المحترفين، من رواد الفن المسرحي العربي، على أعماله المقتبسة، أو المترجمة ألفاظاً أعجمية، مثل: ـ تراجيدة(1)، وتياترو ـ على نحو ما فعلمحمد عثمان جلال، الذي ترجم لراسين، ونعت ترجماته بـ ـ تراجيديات ـ وهي: ـ الروايات المفيدة، في علم التراجيدة ـ استر، افيجينيا، الإسكندر، كما ترجم لموليير، ونعت ترجماته بـ ـ تياترات ـ وهي: ـ الأربع روايات من نخب التياترات ـ الشيخ متلوف، النساء العالمات، مدرسة الأزواج، مدرسة النساء، وقد أجرى هذه الترجمات كافة بالعامية المصرية.‏

(1) من أبرز ما نجد مثلاً، في شرح عنوان، (رواية عائدة)، ترجمة سليم النقاش: تراجيدية ذات خمسة فصول.. أما ترجمات محمد عثمان جلال في التراجيدية، فتحمل الروايات المفيدة في علم التراجيدة.. في حين نجد، في المقابل ترجمة هملت، لنجيب حداد، رواية تمثيلية، مأساة، ذات خمس فصول، أو نجد مثلاً أيضاً في الرجوع إلى أدرنة لمعروف الأرناؤوط، فاجعة تمثيلية، ذات مقدمة، وأربعة فصول، أو نجد أيضاً في أبو مسلم الخراساني تأليف أ. ث، مأساة أدبية تاريخية، ذات ثلاثة فصول يتخللها شعر قديم، وحديث، وغير ذلك كثير.» (ص19-20)‏

وتتعدد تعريفات المفهوم الواحد حسب المتاح في المراجع المتوفرة، فذكر أكثر من عشر تعريفات لفن المسرحية داخل المتن والهوامش، ونسبها لأجانب وعرب (ص22-30)، وعندما أتيح له تعريف آخر في طبعته المعدلة ، فإنه سرعان ما وضعه في الهامش، دون أن يبدل في مفهومه للمسرحية داخل المتن (تعريف إبراهيم سكر الآنف الذكر).‏

وظهرت الاتباعية التقليدية في فهم المسرح بإلحاحه على تلخيص كتاب أرسطو «فن الشعر»، وباعتماده على فهم عناصر المسرح ضمن مأثور القول الإتباعي المدرسي عنها مثل العرض التمثيلي والحادثة والتطور نحو الحل والفكرة أو فكرة المسرحية، ولا يتواصل عدنان بن ذريل غالباً مع المصطلح المسرحي النقدي السائد والمعروف، فترجم مصطلح كاترثيس «التطهير» بـ«تطهير الأهواء عند رؤيتها ممثلة أو الانفعال بها» (ص32)، وترجم «الإنارة» أو «التنوير» «بالانكشاف» (ص144).‏

وغفل عن المعنى الاصطلاحي بما هو تواضع متفق عليه لعشرات المصطلحات كأن يعرّف «ميلودرامة» بـ«أغنية» (ص93)، و«الفعل» أو العمل بـ «الموضوع» (ص59).. الخ، بل إنه ينسب «الميلودرامة» إلى اللغة اليونانية، ويعطيها تعريفاً لا يوافي دلالتها في الميوعة العاطفية حيث يقترن العنف (الدم) بالدموع بقوله: «والميلودرامة.. درامة عنيفة، موضوعاتها مغامرات وأعمال مقارنة، في كثير من الأحيان للواقع، وتوحي بالعنف، مثل الفزع والحقد والقهر، كما تتعاورها أقسام مضيئة وحلول متفائلة مختلفة» (ص93).‏

وثمة ولع ظاهر في الخروج من التحليل الوضعي التاريخي أو النفسي أو الأدبي إلى فيض المعلومات داخل المتن أو في الهوامش، فوضع فصلاً في كتابه «الشخصية والصراع المأساوي» عن «المأساة التاريخية: سيرتها وفنيتها»، وكان يذكر سمات المأساة التاريخية الفنية ثم يباشر الحديث عن أمثلة لكتابتها لدى رواد المسرح الشعري العربي، ثم يتداخل ذلك كله مع تجربة اليونان والكلاسيكيين الغربيين في هذا المجال، ثم يعاود الحديث عن ظهورها لدى العرب المحدثين، ويضع خلاصة، ويعود إلى وصف ظاهرة المسرح بوصفها تقليداً للغرب (ص31 وهذا موضع جدال)، ليطلق أحكاماً على التجربة المسرحية الشعرية العربية قبل تحليلها:‏

«كان شجَّع الاتجاه إلى المآسي التاريخية العاطفية، كون المأساة التاريخية والعاطفية أكثر صلاحية من غيرها لمخاطبة الجماهير، تهذيبهم وتثقيفهم، في فترة ناهضة تعمل لحريتها وكرامتها ومنعتها.‏

ومن هنا كانت الغلبة في هذه المسرحيات التاريخية والعاطفية، ولا تزال إلى اليوم للحوادث نفسها، للأعمال والأفعال، والصراعات المادية، على الأخلاق، أو الصراع الداخلي.‏

هذا شيء في مسرحنا الشعري العربي، لا يعتبر قدحاً فيه، ما دام أن المأساة التاريخية والعاطفية هي نوعية مسرحية قائمة بذاتها، هي منذ أن وجدت في العالم تقوم على الحوادث والتي من خلالها تتضح الشخصيات كافة..‏

وبالفعل أن هذا الاتجاه الأصيل، والصادق إلى تغليب رسم الصراعات المادية على الصراعات المعنوية في مسرحنا الشعري العربي، لم يضر قط برسم الشخصيات في هذا المسرح، بل على العكس أكسبه أصولية، وواقعية متنتا بنيانه المسرحي ونوعته تنويعاً ظاهراً، بربطه بالزمان والمكان، وفكرة الموضوع المعروض نفسه، كما سنظهر ذلك مفصلاً فيما بعد...» (ص32).‏

وغالباً ما يورد المعلومات التاريخية اولمقارنة بينها في مكانها وفي غير مكانها، مثل ذكره لهذا الحشد من المسرحيات لمجرد أنها تعد تاريخية برأيه:‏

«ومن المسرحيات الشعرية التي تعتبر تاريخية أيضاً: ـ الحسين عليه السلام ـ 1932م، لمحمد رضا شرف الدين، وهي من التاريخ العربي الإسلامي؛ ثم رايات ذي قار، 1933م، لعمر أبو ريشة، وهي من التاريخ العربي الجاهلي؛ ثم ثورة بيدبا 1935م، لرئيف الخوري، وهي من التاريخ الهندي القديم؛ ثم ديك الجن الحمصي 1935م، لمحمد طاهر الجبلاوي، وهي من تاريخ المجتمع العربي؛ وثورة العراق الكبرى 1938م، لعبد الحميد راضي، وهي في الثورة على الاحتلاف الإنكليزي؛ وهنوريا 1964م، لعبود أحمد عبود، وهي في انهيار الإمبراطورية الرومانية..‏

ثم اليرموك 1942م لخلدون كناني وسلامة عبيد، وهي في معركة اليرموك بين العرب والبيزنطيين، وولادة 1948م، لعلي عبد العظيم وتروى حياة ولادة وحبها لابن زيدون، وتيبور 1956م، لرفيق معلوف وهي في أحداث ثورية معاصرة في هنغاريا، والمأمونية 1957م، لأحمد سليمان الأحمد، وهي في مأساة عريب التي يقال هي بنت جعفر البرمكي، وقيس ولبنى، ثم نجنون ليلى 1964م لعاتكة الخزرجي وهما من التاريخ العربي.. ومعظم هذه المسرحيات سلفية عمودية..‏

يضاف إلى ذلك أيضاً خالد بن الوليد، لعامر بحيري، وغرام يزيد والمروءة المقنعة لمحمود غنيم، وسيف بن ذي يزن لمحمد عبده غانم، وأبو عبد الله الصغير، وفارس بني حمدان لأنور العطار، وميسلون لبدر الدين الحامد. وغيرها وغيرها..‏

أما الاتجاهات الشعرية في التأليف المسرحي الحديث فقد ظهر منها الاتجاه الفلسفي، والأسطوري، ثم الاتجاه الرمزي، فالاتجاه الشعبي، فالاتجاه الملتزم.. وكانت موضوعاته متنوعة، كثير منها من التاريخ، ولكنها كان تتحرر شيئاً فشيئاً من الديباجة العمودية، حتى اصطنعت التفعيلة بدل البحر في الوزن(1).‏

في طليعة هذه المسرحيات أوبرات أحمد زكي أبو شادي، الآلهة، وهي فلسفة خيالية، وأخناتون، وهي من تاريخ مصر القديم، وأردشير، وهي من قصص ألف ليلة وليلة، ثم إحسان وهي مأساة عاطفية اجتماعية من المجتمع المصري..‏

ومنها أغنية الأرواح الأربعة 1942م لعلي محمود طه، وهي من تاريخ مصر القديم، ثم أرواح وأشباح وهي حوار فلسفي ذهني وأسطوري..‏

(1) للشاعر علي أحمد باكثير ما يزيد عن عشرين مسرحية متنوعة شعرية ونثرية، سلفية وحرة، وكثير منها إبداعي عاطفي؛ وكان علي أحمد باكثير فيها من أوائل من أرسلوا الشعر إرسالاً، واصطنعوا التفعيلة بدل البحر في الوزن.. وأولى مسرحياته تعود إلى عام 1933م وهي بلاد الأحقاف، وهناك له قصر الهودج، واخناتون، وسلامة القس وغيرها..» (ص28-29).‏

وفعل الأمر نفسه مع معلومات علم النفس والتحليل النفسي، فقد وضع فصلاً طويلاً عن «الشخصية في علم النفس العام» لا تفيد كثيراً في التفسير النفسي للأدب، مع العلم أن أكثر من كتاب مؤلف ومترجم في العربية في هذا الموضوع، وقد تعسف في إدخالها كبحثه بذكر أمثلة تطبيقية قليلة على المتن في الهوامش، كالإشارة إلى الأحلام حين تظهر الرغبة فيها «في النوم في أشكال تهويمية تصرف طاقاتها المكبوتة»، ثم أورد الهامش التالي عنها:‏

«أن الأحلام التي نجدها في مسرحية قمبيز لأحمد شوقي ليست كلها تصرف كبت، أو قمع.. وإنما بعضها مجرد نذير سوء، مثل ما كانوا يعتبرون الأحلام قديماً، كالحلم الذي رآه أحد أعضاء وفد فارس من أن العجل آبيس هز بقرنه مضاجعه ثم سفهه، وبعضها مجرد تصريف للتخوف من تماثيل مصر، مثل حلم الطير برأس أنس لأحد أعضاء الوفد أيضاً.. ولكن حلم نتيتاس في القائد نافارس، كا تقول فيه:‏

الخائن الذي ألى فارس من مصر أتى‏

يشي بمصر وأخا ف أن يكون بي وشى (ص63)‏

والتي تتصوره على شكل حنش ينفث في النيل، فيجف النهر، وتحترق الضفتان، وتغتالما الضواري.. وهو بالفعل الذي يفضحها في أنها ليست نفريت فيجر على مصر الويل والخراب، وتتحقق نبوءتها فيه، فهو تصريف لكل ما تخفي نتيتاس وتكبت وتقمع من مشاعر خدعتها وخدعة أهلها لقمبيز بأنها نفريت.. وشبيه بهذا الحلم الذي يثيره قدوم نافاريس، حلم العباسة الذي يثيره خوفها على جعفر، إذ تراه مكبلاً بالحديد، وقد جرفه دجلة العاصف المزمجر، ومزقه مزقاً، العباسة لعدنان مردم بك، بيروت، 1968م، (ص53-54)..». (ص47-48).‏

ويلاحظ الميل إلى الاختزال في التحليل دون الاستغراق في إضاءة الاشتغال الفني على صوغ الشخصية أو تنظيم الصراع المأساوي في هذه المسرحية أو تلك، بل إنه غالباً ما يعود إلى ولعه بالمقارنات المفيدة وغير المفيدة في موقعها، فقد تحدث، على سبيل المثال، عن مبدأ الأثر الهام، واستعرض في أكثر من صفحة الموقف مما يقارب هذا المبدأ، مثل التوعية المسرحية والاستهداء بحال التقاليد المسرحية ولاسيما السرد التاريخي في التراث العالمي ومقايسة الأعمال بجماليتها لا بمعايير نوعيات مسرحية أخرى، والإشارة إلى التهجم على الأعمال الشعرية العربية بسبب سعة الموضوع أو تشعبه، والإلماح إلى الموضوع المسرحي وصلته بالمكان أو وحدة المكان، على أنه ذكر المبدأ فجأة دون تعريف أو شرح ملتفتاً عنه إلى وحدة الصراع واصطناع الموضوعات التاريخية واصطناع الخيال وتجربة المأساة الشعرية عند اليونان في عرض الفاجعة، وأن شعراءنا يحتذون حذو هذا التراث العالمي كل على هواه:‏

«فآثر أحمد شوقي السرد المتداخل المحقق للأثر الهام، كما في مجنون ليلى، ومصرع كليوباترة، وقمبيز؛ وعلي بك الكبير وغيرها.. وتبعه في ذلك عزيز أباظة في معظم مسرحياته، والتي استهلكت مبدأ الأثر الهام بشكل أكثر بروزاً حتى بدا بعضها مزدوج الموضوع كما في قيس ولبنى، والناصر، أو متداخل القصص كما في غروب الأندلس، وشجرة الدر.‏

ووحده عدنان مردم بك تميز مسرحه الشعري بوحدة الموضوع تميزاً ظاهراً بارزاً والتي يحرص عليها يحققها بفن وبداعة.. ألا أنهم كلهم كانوا يعنون بالصراعات الخارجية والداخلية على السواء، حتى عدنان مردم بك نفسه، والذي يقيم وحدة موضوعه في معظم الأحيان، كما سنرى، على صراعات خارجية صريحة، فعالة، وظاهرة، في العباسة، والملكة زنوبيا، والحلاج، ومصرع غرناطة، وغيرها..». (ص90).‏

وغالباً ما يتداخل رأيه مع آراء نقاد وباحثين آخرين أثناء التحليل المختزل أو المبشر أحياناً، كأن يورد رأي ناقد مباشرة فيما لا يناسب العنوان الفرعي «غاية المأساة التاريخية»، على سبيل المثال، ثم يعاود تعريفه للصراع ثم يعود إلى رأي مندور.. وهكذا..‏

«كان الناقد الحصيف محمد مندور كما رأينا قرر أن مسرحيات أحمد شوقي تقوم على الصراع، والذي يبدو في بعض الأحيان سطحياً وشلاً في نظره، لا يتعمق أغوار النفس البشرية، كما هو يقول، بحيث أن مسرح شوقي على حد قول مندور يعتمد في أساسه على الصراع، لا على التصوير، أو التحليل، كما تعتمد الدراما الحديثة..‏

المقصود من الصراع هنا بدون شك هو السرد للصراع والذي يحتل مكان الصدارة في مسرح شوقي، في حين يقل التحليل أو التصوير في هذا المسرح، واللذان هما في نظر مندور سمة الدراما الحديثة.‏

ومع ذلك هناك رأي للناقد محمد مندور يقول فيه أن الهدف الإنساني الباقي للمأساة التاريخية العاطفية التاريخية، هو الغوص وراء حقائق النفوس البشرية، وتصويرها تصويراً يجلو غامضها، ويفضح أسرارها.. وهو رأي مستحق أن نعلق عليه، وقد سجله مندور على مسرحية العباسة أخت الرشيد لعزيز أباظة، قال:‏

- .. من المعلوم أن الغوص وراء حقائق النفوس البشرية، وتصويرها تصويراً يجلو غامضها، ويفضح أسرارها هو الهدف الأساسي الباقي الذي يمكن أن نخلص به من مثل هذه المسرحيات التي لا تعتبر مسرحيات هادفة، بالمعنى الحديث لهذه اللفظة.‏

وهذا الرأي حقاً فيه كثير من الصواب، ولكن أيضاً فيه غلو وشطط واضحان يحتاجان إلى تفنيد.. خاصة أنه يوحي بأن هذا النوع من المسرح الشعري الذي هو المأساة التاريخية والعاطفية التاريخية فن للفن، وأنه بالتالي مفارق للمسرح الهادف، وخدمته الجماهير..» (ص100-101).‏

ويلاحظ أيضاً أن عدنان بن ذريل لا يركن إلى المصطلحات المتواضع عليها على الرغم من تمحيصه المستمر لها، فهو يورد عدة تصنيفات وتسميات غير متفق عليها مثل «الحب الحياتي» (ص139)، ولا يعرف المرء ما المقصود تماماً بهذا النوع من الحب، و«الشذوذ في الحب» (ص142) بينما يقصد به العلاقة الحرة أو غير الشرعية.. الخ ويضع تصنيفات وتسميات لا تستوعب طبيعة الصراع المأساوي، لأنه تصفه من الخارج، ولا تبتعثه من سيرورة الموضوع مثل مضامين الصراعات والصراعات من جهة عرضها والصراعات الخارجية والصراعات الداخلية.. الخ. على صعوبة الفصل بين هذه التسميات والتصنيفات، ولعل ذكره للصراعات الداخلية مما يثير التساؤل مثل الصراع العنيد والصراع المتوتر والصراع الذي ينقلب على نفسه، وكأنه يضفي العاطفة على نوعية الصراع، كما في هذه الخلاصة:‏

«الصراعات المأساوية إذن متنوعة، كما الموضوع والشخصية متنوعان. وقد آثرنا أن توصف الصراعات، الخارجية أو الداخلية، بمضامينها، أو بفنيتها نفسها في العرض المسرحي.. فيقال صراع تآمر، أو تناحر، أو انقلاب، أو اندحار؛ أو صراع واجب، أو ضمير أو حب، أو غيرة، أو هوى.. أو يقال صراع متدرج، أو متقطع، أو عنيد، أو متوتر وهكذا.. الشخصية من خلال ذلك كله تبدو إذن مصممة، مريدة، مترددة، شريفة، مراوغة، ماكرة، عاجزة، ضعيفة إلى ما هنالك.. والمهارة كل المهارة في أحياء الماضي الغابر، ع مقاربة الواقع، من دون تحريف الوقائع التاريخية، أو مناقضتها، أو إهمالها أيضاً..» (ص194).‏

2-4- التوثيق:‏

تمتاز كتابة عدنان بن ذريل النقدية بعامة، والنقدية والبحثية المسرحية على وجه الخصوص بالتوثيق، حتى إن الحواشي تكاد تبلغ نصف حجم المتن في غالبية كتبه، ففي الباب الثاني من كتابه «فن المسرحية»، وعنوانه «تعريفات ـ شرح، وتفنيد»، على سبيل المثال، يمعن النظر في تعريف المسرحية لغوياً وأدبياً وفنياً، فيذكر تعريفه الجامع المانع بتعبير المناطقة الصوريين، ويضع له حاشية شديدة الدلالة على أسلوبيته: «هذا التعريف للمسرحية لنا، وقد استنتجناه من استقراء العناصر الأساسية الفنية والأدبية للمسرحية القديمة أو الحديثة على السواء» (ص22).‏

ثم ما لبث أن غمر متنه وحواشيه بتعريفات أخرى موثقة لتعريفات المسرحية في الأدبيات العربية المؤلفة والمترجمة، وغالباً ما يورد أمثلة تطبيقية من المسرح العالمي والعربي، بل إنه إمعاناً في دقة التوثيق ينبه إلى نصوص مصادر ومراجع غير مطبوعة أو غير متاحة أو معروفة لدى معاينته لمصطلح «تمثيل»، فقد ذكر أن هذا المصطلح استهلك «في الربع الأول من القرن العشرين للدلالة على المسرح وفنّه. كتب محمد تيمور في ذلك حياتنا التمثيلية ـ مصر 1922م، وكتب محمود خليل: فن التمثيل ـ مصر 1924م. وكتب حسين شفيق: مفكرة في التمثيل ـ مسودة في دار الكتب المصرية. ونعت طه حسين ترجماته ومقالاته في الأدب المسرحي اليوناني والغربي بـ تمثيلي مثل: من الأدب التمثيلي اليوناني. مصر، عدة طبعات. ومن أدب التمثيل الغربي، بيروت 1959م» (ص16).‏

ولعل أبرز سمة في توثيقه هي ندرة مصادره ومراجعه مثل عودته إلى مسودة في دار الكتب المصرية، وثمة كثير منها يتعذر الحصول عليه من مظانه لدى دور التوثيق والكتاب الرسمية والخاصة على حدّ سواء، ولو تأملنا أحد كتبه الحديثة وهو «رواد المسرح السوري» لأدهشنا في وفرة معلوماته المكتوبة وغير المكتوبة، بل إنه يضيف داخل المتن وفي حواشيه معلومات إضافية، فقد كتب عن ممتاز الركابي على سبيل المثال في الفصل الثالث «المسرح السوري والتمثيلية الإذاعية»، فعرف بهذا الممثل الهاوي وخدماته وأعماله وطبيعة علاقاته الفنية والأدبية مثل دعوته للانضمام إلى «الفرقة السورية» عام 1948م، وتلكؤه، «ثم بعد مدة انضم إليها»، ولا يغفل عن تزويد متلقيه بمعلومات مناسبة أو غير مناسبة في موقعها، على الرغم من فائدتها بذاتها في الأحوال جميعها، كأن يتحدث في سياق تعريفه بممتاز الركابي عن «معهد الآداب والفنون» أو أعضاء «الفرقة السورية»، أو أن يشير إلى الدوريات الأدبية التي كتب فيها الركابي مثل «بردى» و«النقاد» و«الناقد» (ص89-90).‏

ولا يخفى أن غالبية مصادره في مثل هذا الكتاب شخصية كما تشير إلى ذلك معلوماته داخل المتن أو في الحواشي، ونأخذ مثالاً لذلك ما كتبه عن أحمد أيوب في «الفصل الرابع: مع الإداريين والفنينن»، وجميعه من مصادر شخصية لا تتوفر لدى أية جهة رسمية أو أهلية، ولا اعتقد أنها متوفرة لدى أسرة الفنان نفسه، ويصرح عدنان بن ذريل بأن مصادره الشخصية، وأبرزها لقاؤه بمن يكتب عنهم أحياناً كقوله:‏

«قال لي أحمد أيوب: إلا أنه بعد الحرب العالمية الثانية انصرف عن التمثيل، واقتصر على المونولوجات والديالوجات، وكان يؤدي الديالوجات معه ليلى حسني. رجاء أحمد. انطوانيت إسكندر. كيكي. فريال وكلير وغيرهن» (ص119).‏

2-5- التحكميات المسبقة:‏

ترتهن الكتابة النقدية والبحثية عند عدنان بن ذريل بتحكميات مسبقة على العمل الأدبي أو الفني، وأولها العناية بالعوامل المساعدة شأن النقد التقليدي، كأن يهتم بحياة الأديب وثقافته وظروف كتابته مثلما فعل في كتيبه عن «مسرح وليد مدفعي»، أو في كتابه عن «مسرح علي عقلة عرسان» على الرغم من أخذه بمنهج البنيوية في الكتاب الثاني. ويندر أن قرأنا مقالة أو بحثاً عن المسرحيين لا يعتني فيه عدنان بن ذريل بمثل هذه العوامل المساعدة، التي بدأت تقل في العقدين الأخيرين عندما أغرته المناهج الحديثة، ولا سيما الأسلوبية واللسانية.‏

وثانيها مراعاة العلاقة بالمنتج أو المبدع، فهو شديد الاهتمام بموقف هؤلاء المنتجين أو المبدعين من كتابته النقدية والبحثية قبل الكتابة وأثناءها وبعدها، كما في كتابته عن عدنان مردم بك على سبيل المثال، فقد وضع له أسئلة، وأجاب عليها، ودوّنها في ملحق كتابه «الشخصية والصراع المأساوي» حريصاً على تقدير رأي المؤلف بإنتاجه أو إبداعه، كالسؤال عن طريقة الكتابة أو فهم الصراع في العمل المسرحي أو التأثر بالشخصيات والمذاهب أو مشروعات المستقبل أو الرضى عن الأعمال السابقة أو الاعتقاد بأن الاتجاهات المسرحية الحديثة منافس خطير للمسرح السلفي والفلسفة في الحياة وفي الأدب والمسرح، ويلاحظ المرء أن كثيراً من هذه الأسئلة لا تفيد البحث، بل إن للنقد أن يحفل بداخل النصوص وبعلائقها المتشابكة بالدرجة الأولى، فالناقد هو الذي يجيب على مثل هذه الأسئلة من النصوص ذاتها، ولنأخذ مثالاً سؤاله عن فلسفته في الحياة وفي الأدب والمسرح، وكانت الإجابة:‏

«- الأدب رسالة فنية وأخلاقية، ولم يكن الأدب زخرفاً، أو ضرباً من ضروب اللهو والعبث..‏

ورسالة الأدب ترمي إلى رفع المستوى الأخلاقي للإنسان، وأن نحرر إنسانيتنا الخيّرة التي لم تزل سجينة في أعماقنا، بقيود الرغائب والشهوات. والإنسان الخير هو الذي يستطيع أن يحرر نفسه من ربقة شهواته؛ وقد اتخذت من رابعة العدوية المثل لذلك الإنسان الخير، وأوجزت فكرتي بلسانها، حيث جاء معبراً عن رأيي، لمَّا قالت لمن أعتقها من ربقة العبودية المادية:‏

ليس الرقيق حكاية‏

الجسد الذي ما انفك يشرى‏

الرق في الأرواح كان‏

أشد آلاماً، وأضرى‏

عبد المطامع كان أجدر‏

بالرثاء، وكان أحرى..» (ص197)‏

والأولى أن يجيب الناقد على هذه الأسئلة من خلال قراءته للنص، وفعل ذلك كثيراً أثناء نقده مولعاً بعدنان مردم بك إذ رأى أنه «افتن دون غيره بالأفق الإنساني» (ص108)، وكأن غيره لا يعنى بالأفق الإنساني، وأيد رأيه بأقوال مردم بك نفسه: «ومن هنا راح يصطفي منها ما يوفر لمسرحيته وحدة الموضوع، ووحدة العمل المسرحي، وأيضاً وحدة الفكرة من المسرحية..‏

لنسمعه يقول في رابعة العدوية:‏

- ... اخترت حقبةً من حياتها، مادة لمسرحيتي، هي الفترة الأولى من شبابها: حين كانت رقيقاً، لأبين مأساة حياة الرق تلك المأساة البشعة التي لم يخل من عارها عصر.. ـ‏

حتى يقول:‏

- .. رأيت أن أسطر مأساة حياة الرقيق، لأنها لم تزل تمثل كل يوم، تحت سمع الناس وبصرهم، وأحببت أن أقدم للناس شيئاً من أريج روحانية رابعة العدوية التي فتحت آفاق المعارف الصوفية في محبة الله تعالى هذه المحبة التي هي رسالة التصوف، وكم نحن اليوم بحاجة إلى مثل هذا الحب السامي، بعد أن انهارت المفاهيم الأخلاقية، وطغت المادة على الروح» (ص109).‏

وثالثها مراعاته للعلاقة بالمنتجين والمبدعين أنفسهم، فقد كان ليناً متسامحاً مع القريبين منه مثل نقده لعدنان مردم بك، بينما تبلغ القسوة حداً بالغاً في نقد البعيدين عنه، ولعلنا نعاين بعض الأمثلة من كتابه «الشخصية والصراع المأساوي»، فقد وصف نقد النقاد وبحث الدارسين عن المسرح الشعري العربي بالظلم والجور والتعسف «سواء الأحكام التي تتعلق بالشخصيات أو التي تتعلق بالصراعات في هذه الأعمال الشعرية المأساوية العربية الحديثة»، وتعهد بالرد «على كثير من المزاعم الخاطئة أو الاعتباطية التي كان يدبجها النقاد والدارسون من شخصيات المسرح الشعري العربي أو صراعاته المختلفة» (ص83). ووصف نقد محمد مندور وصفاً في منتهى القسوة دون مسوغ بقوله: «ومثل هذا الحكم الجائر المغلوط فنياً وعلمياً» (ص124)، لمجرد أن مندور لا يتفق معه في نوال العبرة وتحققها، ويشي بذلك تعليله لرأيه:‏

«ولو أن مندور تأنى في بحثه ونقده، وتدبر على الخصوص مبدأ الفائدة، أو الأثر الهام، أو الاهتمام العام في المسرحيتين كما قلنا، لرأى إلى العبرة تنطق بكل ثقلها في فصول المسرحيتين، واللتين تلاحقان الأسباب المأساوية والبعيدة في صراعات خارجية، وداخلية، متدافعة، متجاذبة..‏

بعبارة أخرى، التحليل موجود في المسرحيتين، ورسم الشخصيات موجود فيهما.. ألا أن العمل المسرحي في كل من المسرحيتين يقوم على سلسلة من الحوادث، ويشمل عدة قطاعات توحدها الفائدة الواحدة، أو الأثر الهام منها، أو الاهتمام العام الذي تثيره في الشاهدين والقراء..‏

وكان أولى به أذن أن يقول إن الشخصيات والصراعات في هاتين المسرحيتين هي في معظمها مرسومة من الخارج، وتخضع للظروف القاهرة، من مثل تسمية يحيى ولياً للعهد بفعل كون أمه رومية، ثم ثورة الشعب على هذا القرار، أو من مثل استسلام أبي عبد الله الصغير لإيحاءات العدو، بفعل أسره له، أو تقوّل الانهزاميين، ودسهم.. الخ..» (ص124-125).‏

ونقد عزيز أباظة بقسوة أيضاً، وهو حكم مسبق لا يستوي مع طبيعة النقد، فالنقد ينظر في العمل الأدبي والفني المستحق، ولا يصح للناقد أن يطلب من الأديب أو الفنان أو يصوغ عمله وفق متطلبات الناقد، فقد أطلق أحكاماً بعيدة عن النصوص كقوله: «في حين أن بطولات الشعب المصري في المنصورة، ضد حملة لويس التاسع على مصر، فقد أهملها عزيز أباظة، مؤثراً سيرة الحكم بين شجرة الدر، وأيبك، والثورات المحلية، وعلى الخصوص سيرة الجانب العاطفي، والعائلي بين هاتين الشخصيتين، وهي السيرة التي تنتهي بمقتل إيبك كما رأينا»..‏

وتبلغ المغالاة في مراعاة العلاقة بالمنتجين والمبدعين حدّها الأقصى في اعتماده أسلوب التفضيل بإطلاقه، فقد فضّل عدنان مردم بك على سواه من شعراء المسرح الشعري العربي، باستخدام مفردة «وحده» أو «وحدها» في قوله:‏

«ووحده عدنان مردم بك تميز بحرصه على وحدة الموضوع كما رأينا.. ولكن الذي لمسناه في مسرحياته الشعرية المختلفة أن الصراعات فيها ظلت صراعات خارجية صريحة في الأساس، هي كما نقول، صراعات تآمر، وانهزام، واندحار، واستسلام، كما في أبرز مسرحياته: العباسة؛ والملكة زنوبيا، والحلاج، ومصرع غرناطة وغيرها..‏

ووحدها مسرحية رابعة العدوية تعتبر لوحة إنسانية ذات صراعات مختلفة عن الرق، وعتقه..‏

إن هذه المسرحية الإنسانية تقوم هي نفسها على أحداث خارجية، من فتنة الشعب بعازفة الناي رابعة في ترددها على المسجد، وولهها في الله، ثم شرائحها، وعتقها» (ص187).‏

ورابعها تحكيم منظوره الأخلاقي في رؤية العمل الفني أو الأدبي معياراً رئيساً من معايير النقد الأدبي والفني، بينما هي مسألة جاوزها النقد الأدبي منذ زمن طويل، ولعل هذه التحكمية من أشد التحكميات المسبقة مجانبة لطبيعة النقد حين يجعل الناقد من نفسه داعية أخلاق، فوصف الحّب بالمدنس أو العقيم (ما لم يثمر عن زواج):‏

«أو حب الحكم لشفق في الناصر، ,هو حب عقيم لم يثمر عن زواج، إذ كان شفق متحفظة في حبها، بل متناقضة فيه.. ثم تموت شفق غيلة، وتطوى سيرته.. أو حب أبي الحسن لزوجته ثريا الرومية في غروب الأندلس، وهو بالأحرى حب حسي يسلم أبو الحسن بفعله مقاليد أمره لزوجته مما يثير عليه ثورة شعبية تطيح به.. أو حب بيبرس لعلا جارية شجرة الدر، والذي استغلته شجرة الدر فصارت تقرب منها هذا البطل الشجاع الوفي لها، وتماطل في تزوجيه من جاريتها علا، حتى رضخت في النهاية، وجعلت الزواج ثمناً لقتل إيبك، وهو ما يكون.. أو حب ابن سراج لبثينة في غروب الأندلس، وهو حب عف شريف تدنسه الظروف كما سنرى.. هذه المشاهد ناجحة حقاً، وخدمت العمل المسرحي في مختلف تلك المسرحيات المتنوعة الموضوعات» (ص142).‏

واللافت للنظر أن عدنان بن ذريل أثار الأسئلة حول الأخلاق في المسرحية المأساوية دون أن يجيب عليها، لأنه بثّ آراءه في المتن والحواشي:‏

«الأخلاق هنا حقاً ذات لونية محلية ظاهرة، تعود إلى الموضوع الذي يحتل الساح المسرحية بخصوصياته، ويصبغ هذه الأخلاق بصبغاته، ويجعلها رديفة للعمل المسرحي نفسه.. نعم.. وإذا سألنا أين الشعور بالواجب في المسرح الشعري العربي؟! وأين الشخصيات اليت تقدس الواجب؟! وأين الصراعات الداخلية التي تقوم على الشعور بالواجب؟!. سواء كان هذا الواجب دينياً، أو قومياً، أو أخلاقياً عاماً؟!..‏

وجدنا بالفعل أن الموضوعات العربية هي من طبيعتها تقوم بالصراعات الخارجية، كما شرحنا ذلك من قبل، والتي بدورها تعكس الصراعات الداخلية، وتبررها، أو تفسرها.. ومع ذلك الشعور بالواجب ظاهر في سلوك كليوباترة، ونتيتاس، وليلى، وقيس بن ذريح، والرشيد، وعائشة، وبدا.. أو أيضاً أنوبيس، وزبيدة، وبن سراج، وموسى بن أبي غسان؛ أو أيضاً منى، وبن الفضل، ورياح، وصديقه شفيق وهكذا دواليك.. إنهم كلهم يعيشون صراعات فترتهم، وبيئاتهم، وصراعات مواقفهم، ولنقل أيضاً صراعات خصوصياتهم..» (ص154-155).‏

2-6- التبسيط والتعليمية:‏

تتميز كتابة عدنان بن ذريل حتى نهاية سبعينيات القرن العشرين بالتبسيط والتعليمية، فيعرّف ويشرح ويحلل ويقارن، ويبتعد عامداً عن لغة المصطلحات، وإذا استخدم مصطلحاً، فإنه ينهكه شرحاً وتحليلاً مثل معالجته للشخصية، فقد مهّد لذلك بالفصل الثالث عن «الشخصية في علم النفس العام»، ثم تلاه بالفصل الرابع عن «الشخصية المسرحية قديماً وحديثاً»، فأورد تعريفات نقاد المسرح للشخصية، وختم عرضه بالأخذ برأي أحدهم:‏

«ومن هنا يخلص وليم آرشر إلى تقرير قريب من محاكاة أرسططاليس، ولكنه حديث، هو: أن الموضوع، أو الحدث، أي العقدة، أو الفعل في المسرحية يجب أن يوجد من أجل الشخصية، وليس العكس.. فإذا عكسنا هذه العلاقة، وأوجدنا الشخصية من أجل الحدث، أمكن أن تكون المسرحية لعبة بارعة» (ص60).‏

وعندما أعاد نشر كتابه «فن المسرحية» باسم «فن كتابة المسرحية» ظل محافظاً على أسلوبه التبسيطي والتعليمي، وفعل الأمر نفسه مع الفصل الخامس «المسرحية والمكتسبات الألسنية» الذي أضيف إلى الطبعة الجديدة المعدلة، فلم يوغل في تقانات المنهج اللساني، وعرّف المنهج باستحياء على سبيل الاكتفاء بفكرة عامة عن مكانته في تطور نقد المسرح، وعاد إلى طريقته الشارحة إياها، فوضع حاشية شارحة أخرى:‏

«- يذهب لينهارت إلى أن العالم المتخيل في الأثر الأدبي هو مجرد بنية للوعي الاجتماعي، وأن الأديب عاجز عن تكوين رؤية للعالم خارجة عن الوعي الاجتماعي، في حين ظل ماشيريه يؤكد أن الرؤية للعالم شيء اجتماعي» (ص81).‏

ولعل حرصه على إعادة نشر تلخيص «كتاب الشعر» لأرسطوطاليس في الطبعة المعدلة مما يشير إلى شهوة التعليم والتبسيط لديه، على الرغم من انتشار الكتاب، وتعدد ترجماته، وتعدد محاولات التعريف به وبمكانته في النقد الأدبي والمسرحي، وقد اكتفى عدنان بن ذريل في هذا السياق بذكر حاشية عن آخر ترجمات الكتاب مثل محمد شكري عياد للكتاب (مصر 1976م)، وآخر شروح الكتاب لسهير العلماوي وسيد حامد النساج وغيرهما (ص96).‏

2-7- الاستطراد:‏

ثمة ولع بالاستطراد لدى عدنان بن ذريل في كتابته كلّها، فهو سرعان ما يخرج عن الموضوع المعالج إلى أفكار وآراء جانبية أو معلومات وملاحظات شخصية، فقد مهّد في الفصل الثاني من كتابه «الشخصية والصراع المأساوي» لسيرة المأساة التاريخية وفنيتها، ثم انغمر بالمعلومات التاريخية عن المسرح بعامة والكنيسة ومعجزات القديسين والمسرحيات الدينية بخاصة، وما لبث بعد ذلك أن تحدث عن صراعا المسيحية والعرب في فلسطين، واستطراد في سياق حديثه عن فروق المأساة التاريخية الغربية مستوضحاً هذه الفروق بمقارنتها بالمأساة الشعرية العربية:‏

«وقد افترقوا بذلك عن اليونان الذين كانوا يؤثرون العناية بالحوادث كما افترقوا عن شكسبير نفسه الذي ظل مع الحوادث بشتى لونياتها.. وسوف يفترق عنهم أيضاً من شعرائنا المسرحيين أحمد شوقي، وعزيز أباظة اللذين سوف لا يلتزمان (الأصح لغوياً أن يقول: لن يلتزما) قاعدة الوحدات الثلاث، وحدة الزمان ووحدة المكان ووحدة العمل المسرحي، ليعود عدنان مردم بك إلى الأخذ بهذه القاعدة، وخاصة وحدة العمل المسرحي فيها كما سنرى.» (ص24).‏

كان الكتاب عن المسرح الشعري، ولكنه ذلك لم يمنع عدنان بن ذريل من الاستطراد إلى المسرح النثريفي مواقع عديدة، ولدى حديثه عن «الشخصية في علم النفس العام» في الفصل الثالث من ذلك الكتاب غاص عميقاً في الشروح العلمية التي لا توافي بحثه، وإن كانت مفيدة بذاتها، مثل ذكر المؤثرات العضوية فيما يخص نمو الشخصية (ص38-39)، أو الغوص على سبيل الاستطراد في سمات الشخصية (ص42-43)، وفي طرائق دراسة الشخصية (ص44)، بينما لا يستدعي ذلك دراسة الشخصية في المسرح، لأن الصوغ الفني والفكري للشخصية المسرحية هو الأجدى والأنفع، ولعلنا نورد نموذجاً لمثل هذه الاستطرادات العلمية في حديثه عن المرض النفسي والعقلي:‏

«والمرض النفسي وهن في الأعصاب عن تحمل الحياة، وواجباتها، أو عن تحمل مشاقها، أو مواجهة مشاكلها؛ ولذلك يسمى عصاب نسبة إلى الأعصاب. إنه قابلية للإيحاء، وعدم مقاومة ذاتية، يظهران على شكل شعور بالعجز، والإعياء؛ والإنهاك، وأيضاً الخوف، والاضطراب، ثم القلق، والتشتت وغيرها مما يترجم إلى نكوص، أو هياج، أو تفكك.. ويمكن مداواة المرض النفسي، بواسطة الإقناع نفسياً واجتماعياً. وذلك بتطمين المريض المتهيج، أو المنهار المشتت، على حالته، وعلى المشاكل التي تقلقه، وتخيفه، مع مساعدته على حل هذه المشاكل المختلفة. وعندما يعتقد المريض ببطلان شعوره المرضي، وبطلان قلقه وخوفه، وبطلان همه ووسواسه يتغلب شيئاً فشيئاً على وهنه، وإنهاكه، وتهيجه، ونكوصه.» (ص53).‏

لقد أولع عدنان بن ذريل بالاستطراد مما يناسب ثقافته الموسوعية الواسعة الفكرية والفنية، ففي الفصل الثاني «الشخصية والطباع» من كتابه «فن كتابة المسرحية» تجوال معرفي في الحديث الشارح الموجز عن الشخصية والطباع والمسرح واشتراطات الشخصية والصراع، وتداخل ذلك مع الاستطراد إلى رأي أرسطو طاليس في المأساة (ص20) والمأساة في المسرح اليوناني (ص21-22)، ثم عاد إلى شرح الشخصية لدى إيجري (ص23-24)، وختم الفصل برأي علي الراعي (ص25) دون رأيه، وكأن بحثه عرض لهذا الرأي بالذات:‏

«وقد ذكر الدكتور علي الراعي أنواعاً من نماذج حديثة في تصوير الشخصية المسرحية، هي: رسم الشخصية من الداخل، ورسمها من الخارج، ورسمها رسماً متكافئاً.. يقول علي الراعي في النموذج الأول إنه ينظر إلى الشخصياتا على أنها نفوس، وأرواح: ويدل على ذلك بمثال تحليل نفسي من مسرحية: الآنسة جولي، لستريندبرج. وأما النموذج الثاني، فينظر إلى الشخصيات على أنها تجسيد لأفكار ومعان؛ إذا هي تصارعت، واصطدم بعضها ببعض، فهي حركة فكرية، وبين عقول.. وقد دلل على ذلك بمثال فكري من مسرحية: كانديدا، لبيرناردشو.. في حين أن النموذج الثالث يوازن بين الحياة الداخلية، والحياة الخارجية للشخصية، مع اتخاذ بعض المظاهر الخارجية رمزاً لما يجري في النفس.. وقد دلل على ذلك بمثال من مسرحية: بيت الدمية، لإبسن. ويلاحظ علي الراعي على هذه النماذج والأمثلة عليها أن بعضها ينفذ إلى البعض الآخر، كما يلتقي بعضها بالبعض الآخر؛ وأن معالجتها انعكست على الحوار والسرد والأسلوب.» (ص25).‏

ولا يقف الاستطراد عند عدنان بن ذريل عند حدود المتن، بل يمدّه إلى الحواشي، كما في متن الفصل الثالث «الفصول والمشاهد وأغاني الجوقة» وحواشيه، فأضاف إلى المتن في هذه الطبعة المعدلة اصطناع - بتعبيره - علي عقلة عرسان «للجوقة في مسرحية «الفلسطينيات»، والجوقة فيها عاملة أيضاً، وتظل وراء تطوير العمل المسرحي» (ص70)، وأضاف إلى الحواشي إحالة إلى كتابه «رواد المسرح السوري»، وتقسيم خالد محي الدين البرادعي مسرحيته «جزيرة الطيور» إلى اثنتي عشرة ليلة يروي الراوي في كل ليلة منها قصة المسرحية حتى النهاية (ص71).‏

2-8- النظرة الفلسفية:‏

غلبت النظرة الفلسفية على كتابة عدنان بن ذريل المسرحية البحثية والنقدية في مراحله كلّها، وفق تطور فكر الفلسفي، إذ بدأ مثالياً متأثراً بالفكر الأرسطي اليوناني، ثم صار إلى المثالية الجدلية متأثراً بالهيجلية، ثم تسربت أمشاح من الوجودية والمناهج المعرفية الحديثة في مراحله الأخيرة.‏

وتظهر معالم المثالية في كتابه «فن المسرحية مع تلخيص حديث لكتاب الشعر لأرسططاليس»، وظلت بقايا من هذه المثالية في مراحله التالية، وإن خالجتها الجدلية، أو مازجتها النزعة الأخلاقية، أو تخللتها ظلال الظواهرية، فقد أعاد طباعة كتاب «فن المسرحية» معدلاً دون مساس بجوهره الفلسفي بعد أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، فكتب عام 1963 في الطبعة الأولى:‏

«يرى أرسططاليس أن الشعر بأنواعه محاكاة لأعمال الناس، أي أنه من حيث طبيعته تقليد أو نسخ. ويرى أن وظيفة المأساة، وإلى حد كبير الملحمة أيضاً، تطهير الأهواء، بما تثيره المأساة، أو أيضاً الملحمة من خوف، وشفقة.. والشعر عنده أكثر من فلسفية من التاريخ، لأنه يسعى وراء الحقائق العامة. بينما يتقيد التاريخ بالجزئيات. وقد أجاز في المأساة التزويق والخيال، في الحقيقة التاريخية، شريطة عدم الإسفاف، وذلك في هدي الضرورة، والإمكان، في المحاكاة، والتصوير.» (ص122).‏

وحافظ على الرأي نفسه وإيمانه به في الطبعة الثانية عام 1996:‏

«وهذه الاعتبارات دفعت أرسططاليس إلى إباحة التصرف في المسرحية بالمعطيات التاريخية.. فليس على الشاعر أن يقص الأشياء كما وقعت فعلاً؛ وإنما عليه أن يصف التي كان من الممكن أن تقع، أي عليه ذكر ما هو ممكن وقوعه، إن كمحتمل، أو كضروري.. وعلى هذه الشاكلة، راح أرسططاليس يميّز بين التاريخ وبين الشعر؛ الأول يروي ما حدث؛ والآخر يروي ما يحتمل أن يحدث.. والشعر بالتالي شيء أكثر بداعة من التاريخ، وأكبر قيمة منه لأن الشعر يضطلع بالحقيقة، ويروي الكلي؛ بينما يضطلع التاريخ بالخصوصيات، ويروي الجزئي.» (ص117-118).‏

وتظهر عناية بالمثالية الجدلية في غالبية مؤلفاته الصادرة في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، فليس هناك إنشاء لغوي مجرد أو تحليل فني لذاته، معتمداً على المنطق والعقلنة والموضوعية ودقة التعبير بما يظهر النظرة الفلسفية المنشودة، كما في هذا الشاهد من كتابه «الشخصية والصراع المأساوي» المخصوص بتحليل مسرحية عزيز اباظة «شجرة الدر»:‏

«والمسرحية بعد ذلك كله واسعة الفائدة، متشعبة المسالك، تحوي على عدة موضوعات ملحمية، عالجها عزيز أباظة بروح احتفالية ملحمية واضحة.. ومن هنا كان الشعور القومي في شخصياتها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالزمان، والمكان، وعلى الخصوص بالمواقف الشاقة، التي كان يعيشها المماليك وقتها في مصر والشام، والتي جعلت الأثرة، والمصلحة الذاتية، والطمع في الحكم، والتنافس عليه تمازج الشعور القومي، وتفسده..» (ص151).‏

ذلكم هو شيخ النقاد في سورية عدنان بن ذريل، رائداً ومجدداً، في أن يصير النقد المسرحي إلى قعالية ثقافية مفعمة بالفلسفة والحكمة والحضارة وفهم الظاهرة الفنية والأدبية في قلب ذلك كله.‏

الهوامش والإحالات:‏

(1) تشكل هذه الفقرة من بحثنا مقدمة الكتاب المذكور، إذ طلب منّي قبيل وفاته عام 1997 أن أقدّم لكتابه على سبيل التواصل في مسيرة النقد الأدبي الحديث في سورية. انظر:‏

- ابن ذريل، عدنان: «النص والأسلوبية بين النظرية والتطبيق»، منشورات اتحاد الكتاب، العرب، دمشق 2000، ص5-12.‏

(2) اعتمدتُ في البحث على الطبعات التالية لمؤلفات عدنان بن ذريل:‏

- «فن المسرحية» مع تلخيص لكتاب الشعر لارسططاليس، دار الفكر، دمشق، 1963.‏

- ‏«الشخصية والصراع المأساوي: دراسة نفسية في طلائع المسرح الشعري العربي - أحمد شوقي- عزيز أباظة - عدنان مردم بك»، مطابع ألف باء الأديب، دمشق، 1963.‏

- «الأدب المسرحي في سورية»، صالة الفن الحديث، دمشق، 1970.‏

- «مسرح وليد مدفعي»، دار الأجيال، دمشق، 1970.‏

- «في الشعر المسرحي: أحمد شوقي - عزيز أباظة -عدنان مردم بك»، دار الأجيال، دمشق، 1970.‏

- «المسرح السوري منذ أبي خليل القباني إلى اليوم»، دمشق، 1973.‏

- «مسرح علي عقلة عرسان»، مطبعة الكاتب العربي، دمشق، 1980.‏

- «رواد المسرح السوري بين أواسط العشرينات وأوساط الستينات»، وزارة الثقافة، دمشق، 1993.‏

- «فن كتابة المسرحية»، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1996.‏

- «تحولات عازف الناي»، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1997.‏

(3) انظر عن كتابة عدنان بن ذريل المبكرة وعنايته بالمسرح الرمزي:‏

- سليمان، نبيل: «النقد الأدبي في سوريا»، ج1، بيروت، 1980م، ص278-287.‏

وانظر عن كتابته الأخيرة وعنايته بالمناهج النقدية الحديثة الفصل الذي كتبته بعنوان «مسرح علي عقلة عرسان: البنيوية وإغراء أسئلة النقد».‏

- أبوهيف عبداللله: «الإنجاز والمعاناة: حاضر المسرح العربي في سورية»، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1988، ص112-124.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244