تحليل الخطاب الأدبي على ضوء المناهج النقدية الحداثية ـــ محمد عزَّام

دراسة في نقد النقد ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2003

Updated: Monday, November 17, 2003 12:10 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الباب الثاني منهج التحليل البنيوي التكويني ـ الفصل الأول: المستوى التنظيري الغربي للبنيوية التكوينية

عندما اقتصرت البنيوية الشكلية على تحليل النص وحده، دون الرجوع إلى مراجعه النفسية لدى مبدعه، أو ظروفه الاجتماعية، وجدت نفسها أمام الباب المسدود، بسبب هذه الانغلاقية، فحاولت البحث عن مسارب جديدة تخلّصها من مأزقها هذا، فوجدت في البنيوية التكوينية (أو التوليدية) بغيتها، كما وجدت في البنيوية الجذرية (أو النفسية) مسرباً ثانياً، وفي البنيوية السيميائية مسرباً ثالثاً، على الرغم من أن كل مسرب من هذه الثلاثة أصبح اتجاهاً نقدياً مستقلاً بنفسه، فيما بعد.‏

لقد أتاح علم الاجتماع البنيوي التكويني للثقافة الفرصة لظهور مجموعة من الأعمال المتميزة بعدد من الصفات على رأسها أن أصحابها، وهم يسعون إلى إقامة منهج إجرائي لأجل الدراسة الوصفية للوقائع البشرية وخاصة منها الإبداع الثقافي، وجدوا أنفسهم مرغمين على اللجوء إلى تأمل فلسفي يمكن نعته بالجدلية. وإن أولى الإثباتات العامة التي يستند إليها الفكر البنيوي هي القائلة بأن كل تفكير في العلوم الإنسانية إنما يتمّ من داخل المجتمع لا من خارجه، وبأنه جزء من الحياة الفكرية لهذا المجتمع، وبذلك فهو جزء من الحياة الاجتماعية.‏

وعلى الرغم من أن غولدمان هو الذي أرسى أسس هذا المنهج (البنيوي التكويني)، فإن نقاداً وباحثين آخرين تابعوا التنظير لهذا المنهج، من أمثال لينهارت، وجاك دبوا، وجاك دوفينو، وباسكادي، وموييو، وهندلس...‏

1- لوسيان غولدمان والإله المختفي‏

أما (لوسيان غولدمان) (1913-1970) فهو مفكر وناقد فرنسي من أصل روماني. ولد في بوخارست، وانتقل عام 1934 إلى باريس حيث هيأ رسالة دكتوراه في الاقتصاد السياسي. وفي عام 1940 هرب من الاحتلال الألماني لفرنسا إلى سويسرا حيث بقي في أحد معسكرات اللاجئين إلى سنة 1943 حيث توسط الفيلسوف (جان بياجيه) في تحريره وإعطائه منحة دراسية لرسالة الدكتوراه، ثم عيّنه مساعداً لـه في جامعة جنيف، حيث تأثر بأعماله حول البنيوية التكوينية.‏

وبعد تحرير فرنسا عاد (غولدمان) إلى باريس، وحصل على عمل كباحث في المركز الوطني للبحث العلمي، وهيّأ رسالة دكتوراه في الأدب بعنوان (الإله المختفي: دراسة للرؤيا المأساوية لأفكار باسكال ومسرح راسين) عام 1956، فأثار بها ضجّة كبيرة في النقد الحديث في فرنسا. ثم وضع كتابه (أبحاث جدلية) عام 1959. وكان قد نشر كتابه (العلوم الإنسانية والفلسفية) عام 1952. وفي عام 1964 أصبح مديراً لقسم علم الاجتماع الأدبي بمؤسسة علم الاجتماع بجامعة بروكسل الحرة، فأصدر كتابه (من أجل علم اجتماع للرواية) عام 1964، ثم وضع (البنيات الذهنية والإبداع الثقافي) عام 1967، و (الماركسية والعلوم الإنسانية) عام 1970.‏

وكل هذه الأنشطة جعلته معروفاً كأحد ممثلي الفكر الماركسي، فترجمت أعماله إلى أكثر من عشر لغات عالمية، وشاعت تصوراته وأفكاره. والحق إن موقفه لا يخلو من مفارقة؛ فعلى الرغم من أنه يعلن نفسه تلميذاً لماركس ولوكاش الشاب، فإن معالجته للأدب جعلت بعض الماركسيين "الأرثوذوكسيين" يصفونه بـ (التحريفية)، ويصمون منهجه النقدي بأنه (نزعة اجتماعية مبتذلة)، على الرغم من أنه استطاع أن يتجاوز مأزق البنيوية الشكلية إلى النص المفتوح على مرجعيته، من خلال أبحاثه السوسيولوجية التي جعلها الخطوة التالية للمنهج البنيوي، والتي شكلت منهجه النقدي الذي تفرّد به وأسس له.‏

والواقع إنه ليس من السهل تقديم وصف شامل لنشاط شخصية دينامية انطفأت –مع الأسف- وهي في أوج نشاطها النقدي، ذلك أن منهجه في تطبيق المادية الجدلية على دراسة الأدب قد حقق هدفين في وقت واحد: فقد أنقذ البنيوية الشكلية من انغلاقها على النص المنقود وحده، كما أنقذ المنهج الاجتماعي من إيديولوجيته التي كانت تُقيّم الأدب من وجهة نظرها هي فحسب. فجاء (المنهج البنيوي التكويني) منهجاً علمياً موضوعياً يؤكد على العلاقات القائمة بين النتاج والمجموعة الاجتماعية التي ولد النتاج في أحضانها. وهذه العلاقات لا تتعلق بمضمون الحياة الاجتماعية والإبداع الأدبي، وإنما بالبنيات الذهنية التي هي ظواهر اجتماعية، لا فردية. وهذه البنيات الذهنية ليست بنيات شعورية أو لا شعورية، وإنما هي بنيات عمليات غير واعية. ومن هنا فإن إدراكها لا يمكن أن يتحقق بوساطة دراسة النوايا الشعورية للمبدع، ولا بوساطة تحليل محايث، وإنما بوساطة بحث بنيوي، ذلك أن الفرد الذي يعبّر عن الطبقة الاجتماعية، وعن رؤيتها للعالم، إنما يتصرّف انطلاقاً من هذه البنيات الذهنية التي تسود المجموعة التي يعبّر عنها.‏

وبهذا فإن غولدمان يميّز بين البنيوية التكوينية وسوسيولوجيا المضامين والأشكال: ففي حين ترى سوسيولوجيا المضامين والأشكال في النتاج الأدبي مجرد انعكاس للوعي الجماعي، فإن البنيوية التكوينية، ترى فيه إحدى العناصر المكوّنة للوعي الجماعي.‏

إن التفسير السوسيولوجي هو أحد العناصر الأكثر أهمية، في تحليل العمل الأدبي، والمادية التاريخية تسمح بفهم أفضل لمجموع السيرورات التاريخية والاجتماعية لفترة ما، وباستخلاص العلاقات بين هذه السيرورات والأعمال الأدبية التي خضعت لتأثيرها. ولكن التحليل السوسيولوجي لا يستنفد كل جوانب العمل الأدبي، وأحياناً لا يتوصّل إلى ملامسته، فيظل خطوة أولى لا بد منها للوصول إلى العمل الأدبي. والمهمّ هو العثور على الطريق التي من خلالها يعبّر الواقع التاريخي والاجتماعي عن نفسه عبر الحساسية الفردية للمبدع داخل العمل الأدبي.‏

ويشكل مفهوم (البنية الدلالية) الأداة الرئيسية للبحث عند غولدمان يفترض فيه وحدة الأجزاء ضمن (كلّية)، والعلاقة الداخلية بين العناصر، والانتقال من رؤية سكونية إلى رؤية دينامية مضمرة داخل المجموعات يتجه نحوها فكر ووجدان وسلوك الأفراد، ولكنهم لا يصلونها إلا لماماً، وفي حالات متميّزة يتطابق فيها موقفهم مع موقف طبقتهم الاجتماعية أو مجموعتهم. وتظهر هذه الحالات في مجالات الإبداع.‏

وأما (رؤية العالم) عند غولدمان فهي الكيفية التي ينظر فيها إلى واقع معين، أو هي النسق الفكري الذي يسبق عملية تحقق النتاج. وليس المقصود بها نوايا المؤلف، بل الدلالة الموضوعية التي يكتسبها النتاج، بمعزل عن رغبات المبدع، وأحياناً ضدها. وهذه الرؤية ليست واقعة فردية، بل هي واقعة اجتماعية تنتمي إلى طبقة اجتماعية أو مجموعة اجتماعية، فهي –بالتالي- وجهة نظر متناسقة لمجموعة من الأفراد. وقد بلور غولدمان منهجه البنيوي التكويني على مفاهيم (الكلية)، و (البنية الدالة)، و (رؤية العالم). وطبقها في كتابه (الإله الخفي) على أفكار باسكال ومسرحيات راسين وهما اللذان تجمع بينهما رؤيا مأساوية واحدة هي المطالبة بكل شيء أو بلا شيء، ورفض كل ما يقيّد الإنسان، تحت مراقبة إله حاضر- غائب في آن. والوعي المأساوي نابع من وضع الطائفة الجانسينية(1) التي تطابق فكرها مع إيديولوجية نبلاء الرداء الذين كانوا موزّعين في عصر لويس الرابع عشر بين ولائهم للملكية، ومعارضتهم للملك الذي كان يسعى إلى إضعافهم. وقد اكتشف غولدمان الفكر الخاص بمجموعة (الجانسنية) التي استقّى منها باسكال (2) وراسين(3) أفكارهما الإبداعية.‏

في كتابه (المنهجية في علم الاجتماع الأدبي)(4) يضع غولدمان منطلقات (المنهج البنيوي التكويني) في خمس:‏

1-إن على عالم اجتماع الثقافة أن يفهم الأدب انطلاقاً من المجتمع، وأن يفهم المجتمع انطلاقاً من الأدب. والعلاقة الجوهرية بين الحياة الاجتماعية والإبداع الأدبي لا تهمّ مضمون هذين القطاعين، وإنما تهمّ البنى الذهنية أو المقولات التي تنظم الوعي التجريبي لفئة اجتماعية معينة والكون التخييلي الذي يبدعه الكاتب.‏

2-إن تجربة الفرد الواحد هي أكثر إيجازاً من أن تقدر على خلق بنية ذهنية من هذا النوع، ولا يمكن لها أن تنتج إلا عن النشاط المشترك لعدد من الأفراد الموجودين في وضعية متماثلة والذين يشكلون فئة اجتماعية ذات امتياز، والذين عاشوا لوقت طويل وبطريقة مكثفة مجموعة من المشاكل وجدّوا في البحث عن حلّ ذي دلالة لها. أي أن البنى الذهنية (أو المقولاتية) ذات الدلالة ليست ظواهر فردية، وإنما هي ظواهر اجتماعية.‏

3-إن العلاقة بين الوعي الخاص بفئة اجتماعية ما والبنية التي تنتظم كون العمل الأدبي تكون ملائمة للباحث، متماثلة تماثلاً دقيقاً، إلا أنها غالباً ما تشكل مجرد علاقة ذات دلالة.‏

4-إن البنى الذهنية (المقولاتية) هي ما يمنح العمل الأدبي وحدته.‏

5-إن البنى الذهنية التي تنتظم الوعي الجمعي والتي يتم نقلها إلى الكون التخييلي للمبدع من طرف الفنان، ليست واعية وليست لا واعية بالمعنى الفرويدي، ذلك المعنى الذي يفترض كبتاً ما، ولكنها سيرورات غير واعية مماثلة لتلك التي تنتظم عمل البنى العضلية والعصبية، لهذا فإن الكشف عن هذه البنى أمر متعذر على الدراسة الأدبية المحايثة وعلى الدراسة المتجهة نحو النيّات الواعية للكاتب أو في علم نفس الأعماق، ولا يمكن أن يبلغه سوى بحث من النمط البنيوي والسوسيولوجي.‏

وينجم عن هذه المقدمات أن الدراسة البنيوية التكوينية تسعى إلى تقطيع الموضوع الذي تدرسه إلى حد يتبدّى معه هذا الموضوع مجموعة من التصرفات ذات الدلالة، ثم يكتشف الباحث (البنية) التي تكاد تشمل (كليّة) النص، ولا يضيف إلى النص شيئاً من عنده.‏

وهكذا يبدو الفرق واضحاً بين (المنهج البنيوي التكويني) والمناهج النقدية التقليدية، كما يشترك علم الاجتماع التكويني مع التحليل النفسي. أما الفرق بين المنهج البنيوي التكويني والمناهج النقدية التقليدية فيتجلّى في النقاط التالية:‏

1-عدم إيلاء أهمية خاصة في فهم العمل الأدبي للنيّات الواعية للأفراد، وللنيّات الواعية للمبدعين، لأن الوعي لا يشكل سوى عنصر جزئي للسلوك البشري. فعلى علم اجتماع الأدب أن يعامل النوايا الواعية للكاتب على أنها مجرد علامة من بين علامات عديدة، وعلى أنها نوع من التأمل في العمل الأدبي. وعليه أن يُصدر حكمه على ضوء النص دون أن يعطيه أدنى امتياز.‏

2-عدم المبالغة في أهمية الفرد حين القيام بالتفسير الذي هو بحث عن الذات الفردية أو الجماعية التي اتخذت البنية الذهنية المنتظمة للعمل الأدبي بفضلها طابعاً وظيفياً ذا دلالة. فالعمل الأدبي يكاد يمتلك وظيفة فردية ذات دلالة بالنسبة لكاتبه، إلا أن هذه الوظيفة الفردية غالباً ما تكون غير مرتبطة بالبنية الذهنية التي تنتظم الطابع الأدبي الخالص للعمل. فالمسرحيات التي كتبها (راسين) تكتسب دلالة ما انطلاقاً من شبابه الذي قضاه في (بور رويال) ومن علاقاته اللاحقة مع رجال البلاط والمسرح والجماعة الجانسينية وفكرها، إلا أن وجود هذه الرؤية المأساوية كان من المعطيات المكونة للأوضاع التي توّصل (راسين) منها إلى كتابة مسرحياته والتي جاءت كرد فعل وظيفي ذي دلالة للنبالة المثقفة على وضع تاريخي محدد.‏

3-إن ما نسميه (تأثيرات) لا يمتلك أية قيمة تفسيرية. ولكن على الباحث أن يفسرها، فهنالك تأثيرات تمارس فعلها على الكاتب. وما ينبغي تفسيره هو: لماذا لا يمارس تأثيره سوى عدد قليل منها.‏

إن (الفهم) يتعلق بالتماسك الباطني للنص، وهو يفترض أن نتناول النص حرفياً. ولا شيء غير النص. وأن نبحث داخله عن بنية شاملة ذات دلالة. أما (التفسير) فمسالة تتعلق بالبحث في الذات الفردية أو الجماعية التي تمتلك البنية الذهنية المنتظمة للعمل الأدبي. وهكذا يبدو الفهم والتفسير غير متعارضين، ذلك أن (الفهم) يكمن في الوصف الدقيق لبنية ذات دلالة، أو هو الكشف عن بنية دالة محايثة للموضوع المدروس. أما (التفسير) فهو إدراج هذه البنية، من حيث هي عنصر مكوِّن ووظيفي، في بنية شاملة مباشرة لا يسبرها الباحث بطريقة مفصّلة، وإنما بالقدر الضروري لجعل تكوين العمل الذي يدرسه مفهوماً، وعلى سبيل المثال نذكر كيف أن فهم (خواطر) باسكال و (مآسي) راسين هو نفسه الكشف عن الرؤية المأساوية المكوّنة للبنية الدالة المنتظمة.‏

أما عن علاقة المنهج البنيوي التكويني بالتفسيرات السيكولوجية، فعلى الرغم من أنهما يشتركان في التأكيد على أن كل سلوك بشري يشكل جزءاً من بنية واحدة ذات دلالة، وأنه لفهم هذا السلوك ينبغي إدراجه في هذه البنية التي ينبغي على الباحث اكتشافها، ولا يمكن فهمها إلا إذا أُحيط بها في تكوينها الفردي والتاريخي. نقول على الرغم من اشتراك المنهجين في بعض الأمور فإن التفسيرات السيكولوجية تطرح اعتراضات حاسمة منها أننا لا نملك سوى معرفة جد ضئيلة عن نفسية كاتب لم يسبق لنا أن عرفناه، بحيث تصبح أغلب التفسيرات المزعومة مجرد إنشاءات ذكية لنفسية وهمية يتمّ خلقها استناداً للشهادات المكتوبة. وإن التفسيرات السيكولوجية لم تنجح قط في الإحاطة بجزء يستحق الذكر من النص، وتلك الإحاطة لا تشمل سوى بعض العناصر الجزئية أو بعض الملامح العامة. بالإضافة إلى أن التفسيرات السيكولوجية إذا كانت تحيط ببعض أوجه العمل الأدبي، فإن ذلك يظل محصوراً في أوجه لا تمتلك أي طابع أدبي، فأفضل التفسيرات النفسية لعمل ما سوف لن تتمكن قط إطلاعنا على ما يميز هذا العمل عن كتابة أنجزها معتوه ما.‏

2- جاك لينهارت وقراءة للرواية‏

وإذا كان غولدمان قد تتلمذ على (لوكاش)، فإن (جاك لينهارت)J. Lenhardt قد تتلمذ على (لوسيان غولدمان)، على الرغم من أن تلمذته له لم تمنعه من نقده: فصرامة التحليل الغولدماني للتناظر بين بنية الشكل الروائي وبنية المجتمع الأوربي المنتج من أجل السوق قد حجبت عنه اعتبار (الكتابة)، مفهوماً جوهرياً من مفاهيم السوسيولوجيا الأدبية، ونتيجة لذلك فقد اعتبر (غولدمان) وصف الأشياء في (الرواية الجديدة) الفرنسية هي نتيجة تحوّل اجتماعي، وليس نتيجة تحوّل أدبي يطرح مشكل الكتابة الروائية التقليدية ويعمل على قطع صلته بها. وفي هذا الصدد يمكن اعتبار كتاب لينهارت (قراءة سياسية للرواية: الغيرة لغرييه) 1973 تدعيماً لمنهج غولدمان، وفي نفس الوقت مساهمة في تطويره ونقد مفاهيمه(5).‏

وإن اختفاء الشخصية في الرواية هو نظير لاختفاء دور الفرد في المجتمع الرأسمالي المؤلل والقائم على التنظيم، بينما تزداد أهمية (الأشياء) من خلال توثين السلعة. ويقتبس (لينهارت)، على مستوى اللغة، ما قاله (غولدمان) عن مشكل القيم في المجتمع المنتج من أجل السوق فيلاحظ أن العلاقة اليومية للناس باللغة تعتمد على مسلّمة أن السيرورة الخطابية تعبّر عن المعنى بصفة موحدة، أي أنها تعتمد على القيمة الاستعمالية.‏

إن تاريخ الشكل الروائي يتطور على أصعدة مختلفة، وإن الرواية تندّد بالوعي البورجوازي كوعي شقي، لكنها لم تتجاوزه. وإذا كان (غولدمان) قد فرّق، منذ حقبة (البطل الإشكالي)(6)، بين قطعين كبيرين: الأول شاهد ظهور شكل روائي (شكل المحتوى) حيث تركت مقولة السيرة الفردية المجال لانحلال الشخصية الذي تعتبر أعمال جويس وكافكا وميزيل أمثلة نابهة عليه. والقطع الثاني يتدخل في وقت تتلاشى فيه هذه الدعائم الخارجية للبورجوازية الفردية، وحيث احتّل مكانه خلال الخمسينات، الجيل الرابع من الروايات التي يظهر فيها البطل كأثر من آثار البنية، مختفياً باعتباره بطلاً. وهو ما عبّر عنه لينهارت بوساطة مفهوم الانزياح عن المركز.‏

وقد حلل لينهارت رواية (الغيرة) لآلان روب غرييه انطلاقاً من أربعة أسئلة حدّد من خلالها أربعة أصعدة للتحليل، هي:‏

1-هل تقدم (الغيرة) بنية دالة متماسكة؟ وهل تحدّد هذه البنية الروائية المعنية فقط أم عموم أعمال روب غرييه؟‏

2-هل يمكن أن تدرج البنية الدالة المتركزة على (الغيرة) في إطار تيار إيديولوجي أعم مثل تيّار (الرواية الجديدة)؟‏

3-إذا كانت تلك البنية الإيديولوجية موجودة فهل لها علاقات وظيفية بطبقة اجتماعية أو بفئة اجتماعية.‏

4-هذه الطبقة أو الفئة الاجتماعية هل تمثل مكاناً مدركاً في البنية الشاملة للمجتمع الفرنسي؟‏

3- ايف تادييه وباختين‏

في فصل من كتابه (النقد الأدبي في القرن العشرين) 1987(7) يتحدث (جان إيف تادييه) عن (سوسيولوجيا الأدب) التي تقيم علاقات بين المجتمع والعمل الأدبي، لأن الكاتب مشروط به، يعكسه ويعبّر عنه ويسعى إلى تغييره، كما أن المجتمع حاضر في العمل الأدبي. وقد عرف القرن التاسع عشر نقاداً اجتماعيين من مثل: مدام دي ستال، وتين، ثم تطور هذا المنهج النقدي في القرن العشرين فازدهر لدى الماركسيين، ولعل من أشهر مؤسسيه: لوكاش، وغولدمان، وباختين، وقد فصّل تادييه القول فيهم.‏

أما (جورج لوكاش) (1885 ـ 1971) الفيلسوف المجري فقد سيطر على مجمل سوسيولوجيا الأدب في القرن العشرين. وقد كان لكتابه النقدي الهام (نظرية الرواية) الذي كتبه عام 1915 ونشره في برلين عام 1920 الأثر الهام في هذا المنهج النقدي، ففيه يأخذ عن هيغل مقولة إعطاء المقولات الجمالية صفة تاريخية. وتؤكد نظرية الرواية أن الشكل الروائي هو انعكاس لعالم مخلخل، فيربط بين التطور الاجتماعي والتطور الأدبي في مضامينه وأشكاله.‏

وقد رسم لوكاش (بانوراما) للمجتمعات التاريخية، منذ اليونان التي عاشت حضارة الروح في تناغم مع عالم مغلق وكامل، وحيث ارتبطت الأشكال النموذجية ببنية العالم، وازدهرت الملحمة والمأساة والفلسفة والبطل التراجيدي. وفي مسيحية القرون الوسطى حلّت الرواية محل الملحمة عندما أصبح معنى الحياة إشكالياً، وأعقب النثرُ الروائي الشعرّ الملحمي، واستقل الشعر بالغنائية، وتجرّدت الرواية من الآلهة. ومثلّت شخصيات ديكنز السطحية البورجوازية أنماطاً نموذجية لبشرية مصالحة للمجتمع البورجوازي. ووسمت رواية القرن التاسع عشر بطلها بأنه يرفض تحقيق ذاته في العالم، فيعتقد باستحالة الصراع مع العالم الخارجي. وهذه هي روايات الخيبة. وينتهي كتاب (نظرية الرواية) عند دستويفسكي روائي "العالم الجديد".‏

ثم وضع لوكاش كتابه (الرواية التاريخية ) عام 1937 وفيه يعلن عن الفعل المتبادل بين التطور الاقتصادي والاجتماعي وبين مفهوم العالم والشكل الفني الذي يُشتق منه. والكتاب مساهمة أولية إلى علم الجمال الماركسي، أو إلى الشكل المادي لدراسة التاريخ الأدبي: فروايات والتر سكوت مثلاً الذي يصور في أبطاله مختلف القوى الاجتماعية؛ تمثّل الطبقة الوسطى البريطانية، والصدامات بين الأطراف المتناقضة. وفي قلب الحبكة يساعد البطل في إقامة علاقات إنسانية بين القوى الاجتماعية المتعارضة. وفي أدب (سكوت) يتعرف لوكاش على مجمل الحياة الوطنية أو القومية من خلال "الأسفل" الذي يُعتبر أساساً مادياً وتفسيراً فنياً لما يحصل في "الأعلى"، فقد كان (سكوت) مدافعاً عن "التقدم"، لأنه قدم حياة شاعرية لقوى تاريخية: فطبقات عليا هبطت (الارستقراطية، والبورجوازية الكبيرة)، وطبقات دنيا صعدت (البرجوازية الوسطى).‏

وأما (لوسيان غولدمان)، تلميذ لوكاش، فقد قدّم منذ عام 1947 فرضية لم يتحوَّل عنها، إذ أصبحت أساس منهجه، وهي أن الأدب والفلسفة تعبيران عن رؤية للعالم، وإن رؤية العالم ليست وقائع فردية بل هي اجتماعية، إذ أنها ليست وجهة نظر الفرد المتغيّر باستمرار، بل هي وجهة نظر، ومنظومة فكر مجموعة بشرية تعيش في ظروف اقتصادية واجتماعية متماثلة، وتعبير الكاتب عن هذه المنظومة له دلالة كبيرة فهو يستمد منها.‏

ومنذ عام 1947 أكّد غولدمان موضوعاً أخذ به بارت والنقد المعاصر من بعد، وهو أن المؤلف لا يعرف أكثر من غيره دلالة وقيمة مؤلفاته، وإن سؤال جمهوره ليس أفضل السبل لفهمه، فقد يكون هنالك تفاوت بين المقاصد الواعية للفنان والأشكال التي يجسّد فيها رؤيته للعالم. ويقوم المنهج السوسيولوجي لدى غولدمان باستخلاص الدلالة الموضوعية للعمل الأدبي، ثم يربطها بالعوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للفكر. ففي كتابه (الإله الخفي) 1956 يقوم (غولدمان) بتطبيق منهجه النقدي (البنيوي التكويني) على الجانسينية لدى راسين وباسكال اللذْين تأثرا بها. ويبدو أن غولدمان تأثر بكتاب جان بياجيه (الابستيمولوجيا التكوينية) 1953 إذ لم يعد يتجه نحو مضمون الفكر، وإنما نحو البنية المبسطة للفكر الجماعي، فيدرس البنى المتناقضة للفكر التراجيدي، مقرباً بين باسكال وراسين، ومحدّداً تياراً إيديولوجياً تبّنته جماعة بشرية فكان السبب في ولادة هذه الأعمال الأدبية.‏

وفي كتابه (من أجل سوسيولوجيا للرواية) 1964 يؤكد غولدمان أن الموضوعات الحقيقية للإبداع الثقافي هي المجموعات البشرية وليس الأفراد المنعزلين، على الرغم من اعترافه بأن الإبداع الفردي هو جزء من إبداع الجماعة. وهو يرى أن الرواية، باعتبارها أخباراً اجتماعية، فإنها تعكس مجتمع عصرها. وبدلاً من طرح التماثل بين الواقع الاجتماعي ومضمون الأدب الروائي فإن غولدمان يرى هذا التماثل بين الوسط الاجتماعي والشكل الروائي.‏

ولتحديد الانتقال من البنى الاقتصادية إلى المظاهر الأدبية، يعتمد غولدمان أربعة عوامل، وهي:‏

1 ـ ولادة مقولة الوساطة حيث يصبح النقد والخطوة الاجتماعية قيماً مطلقة بدلاً من أن تكون وسيطة.‏

2 ـ وجود أفراد إشكاليين يبقى فكرهم وسلوكهم مغلوباً أمام القيم الكمية. فالكتّاب لا يستطيعون الهروب من تأثير السوق.‏

3 ـ تطوّر النوع الروائي انطلاقاً من استياء عاطفي غير معقلن، ومن طموح عاطفي إلى قيم كيفية نشأت في المجتمع.‏

4 ـ في المجتمع الليبرالي المتجه نحو السوق تظل القيم مرتبطة بوجود التنافس. وانطلاقاً من هذه القيم تتطور الرواية كسيرة لفرد إشكالي يشبه مؤلفه، ثم يتحول الشكل الروائي لينتهي إلى الانحلال التدريجي، وإلى تلاشي الشخصية الفردية.‏

وهكذا يؤكد (المنهج البنيوي التكويني) المبادئ الأساسية للنقد السوسيولوجي، ومنها أن الكاتب العظيم هو ذلك الفرد الاستثنائي الذي ينجح في خلق العمل الأدبي، بعالم تخييلي منسجم، ترتبط بنيته بالبنية التي تسعى إليها الجماعة.‏

وأما (ميخائيل باختين) (1895 ـ 1975) فيراه تادييه مستكملاً لعمل غولدمان، وذلك في كتابيه: (أعمال رابليه والثقافة الشعبية في العصور الوسطى وعصر النهضة) 1965، و(شعرية دستويفسكي) 1963 اللذين يتضّمنان تجسيد رؤية مختلفة للعالم. فكتاب (رابليه...) يستند إلى الثقافة الشعبية منذ العصور القديمة عند أرسطوفان الشاعر اليوناني الهزلي، ثم عادت إلى الظهور عند بوكاشيو في عصر النهضة. ومنهما استقى رابليه رؤيته الخاصة للعالم. وهي رؤية تختلف عن الرؤية الرسمية، ولكنها تتمتع بأشكالها الخاصة. كذلك فإن دراسة أعمال غوغول تعني العثور على علاقتها المباشرة مع أشكال الاستمتاع الشعبية على الأرض التي نشأت عليها: فقصص الأعياد والمعارض الأوكرانية والواقعية الغربية. التي أشاعها طلاب المدارس الإكليريكية ورجال الدين الهامشيين... كلها قرّبت أعمال غوغول من أعمال رابليه، وأعادت لغة غوغول إلى مصادرها الشعبية القديمة أو المنسيّة، وهي تعبر عن (كرنفال) الثقافة الشعبية...‏

وقد جاء تعريف (تادييه) لأعلام النقد السوسيولوجي موجزاً، لأنه لم يستحق لديه سوى فصل من كتاب عن النقد العالمي.‏

4 ـ آن جفرسون والنظرية الأدبية الحديثة‏

كتبت (آن جفرسون) فصل (البنيوية وما بعدها) في كتاب (النظرية الأدبية الحديثة)(8) وهو كتاب مهم يقع في صلب الاهتمام البنيوي. وقد كتبته مجموعة من أربعة باحثين هم: آن جفرسون، وديفيد روبي، وديفيد فورثماكس، وإليزابيت رايت، عالجوا فيه: الشكلانية الروسية، واللسانيات الحديثة، والبنيوية، وما بعد البنيوية، ونظريات الأدب الماركسية: نظرية الانعكاس، ولوكاش، وماشريه، والمنهج البنيوي التكويني: غولدمان، وادورنو، وباختين... فإذا استبعدنا مصادر البنيوية (الشكلانية الروسية، واللسانيات البنيوية) لأنها وردت سابقاً عند غيرها، واقتصرنا على البنيوية وما بعدها (السيميولوجيا، والبنيوية التكوينية) لوجدنا الباحثة تعدّ البنيوية ثورة نشأت خارج الجامعات، في مؤسسات أكاديمية هامشية، وازدهرت في ستينيات القرن العشرين، حتى بلغت ذروتها مع ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968. وتتجلّى ثورتها في الأهمية التي تعزوها للغة، وادعائها العلمية، واستبعادها المؤلف من التحليل النقدي، وعنايتها بالشكل وحده.‏

وتمثّل البنيوية الفرنسية تحقيقاً لحلم (سوسير) بإيجاد علم للعلامات (السيميولوجيا). فعلى الرغم من أنه رأى في اللغة أكثر منظومات التعبير تعقيداً وتمييزاً، إلا أنها كانت في نظره مشابهة ـ في بنيتها وتنظيمها ـ لأي شكل من أشكال السلوك الاجتماعي. وكان على اللغة، بسبب مكانتها النموذجية، أن تصبح مثالاً رئيسياً يُحتذى لفروع السيميولوجيا. وقد ترتَّب على هذا التوسيع لمجال اللسانيات البنيوية إحداث تبديل جذري في منظور معظم العلوم الاجتماعية.‏

وجاءت أبكر الاستجابات لهذا التعبير من (ليفي شتراوس) مؤسس الأنثربولوجيا البنيوية، فقد رأى في تحليلاته لعلاقة القرابة، أو الطهي أنها منظومات ذات بنية مشابهة لبنية اللغة.‏

إن الافتراض القائل بأن (الثقافة لغة) قد أثّر في كل فرع يمسّ المسائل الثقافية. فالثقافة تتكوّن من علامات مبنية ومنظّمة على غرار بناء وتنظيم اللغة ذاتها. ويقدّم كتاب رولان بارت (منظومة الموضة) نموذجاً لهذا المبدأ اللغوي من خلال محاولته قراءة قواعد الأزياء. وأفضل تعريف للبنيوية نجده لديه في قوله: "إن البنيوية طريقة لتحليل الفنون الثقافية، وذلك بمقدار ما تتولد هذه الطريقة من مناهج اللسانيات المعاصرة".‏

وبما أن الأدب شكل من أشكال النشاط الاجتماعي والثقافي، فإن تحليله بلغة علاماتية هو أمر ممكن، وذلك عن طريق الكشف عن طبيعة العلامات التي تتكون منها، وعن كيفية عمل النظام الذي يتحكّم باستخدامها وتركيبها. وهنا لا يختلف الأدب عن الأزياء أو الأساطير التي يشكل تحليلها جزءاً من الأنثربولوجيا البنيوية. غير أن الأدب يختلف عن الأزياء وعن علاقات القرابة في أنه ليس منظماً على غرار اللّغة فحسب، بل إنه يتكوّن من اللغة. وبهذا فإن النموذج الأدبي يرتبط ارتباطاً وثيقاً باللغة من جوانب ثلاثة: المادي (اللفظي)، والتنظيم الشكلي (السيميولوجي)، وموضوعاته (اللغوي).‏

وإذا كانت نظرة (سوسير) إلى اللغة تستبعد البعد الدلالي من خلال مفهومه عن العلامة كاتحاد بين الدال (المكتوب، أو المنطوق) والمدلول (المفهوم)، فإن المعنى لا تقرره مقاصد المتحدثين باللغة ورغباتهم الذاتية، فليس المتكلم هو الذي يُضفي المعنى، مباشرة على أقواله، بل المنظومة اللغوية ككل. وهذا يعني ـ في مجال الأدب ـ استبعاد كل من المؤلف والواقع كنقطتي انطلاق لعملية التفسير. فالمقاربة البنيوية تستغني عن هذه المرتكزات الأساسية للتاريخ والنقد الأدبي التقليديين، لكي تميط اللثام عن المنظومات الدلالية الفاعلة في الأدب، وتركّز على الدوال على حساب المدلولات، وتُعنى بالطريقة التي ينتج بها المعنى، أكثر من المعنى ذاته، وفي هذا يقول جينيت: "لقد اعتبر الأدب، لأمد طويل، رسالة دون مدوّنة، ولذا بات من الضروري اعتباره مدوّنة دون رسالة".‏

ويتكوّن المنهج البنيوي من تحليل البنى الداخلية في النّص. وهو لا يهتّم بالمعنى (المدلولات) بل بالدوال. وبتركيزه على البنى الدلالية للأدب ينحّي جانباً مسائل (المضمون). وهذا يعني النظر إلى لغة الأدب على أنها لا تحتل مرتبة ثانوية إزاء الرسالة التي يفترض في النص أن يحملها، ذلك أن تنظيم اللغة سابق لأي رسالة أو واقع. وهذا ما يعنيه (بارت) عندما يقول: "إن الأدب يمثّل سيادة اللغة، وإن اللغة هي (مضمون) الأدب، وإن كل ما يفعله الكاتب هو قراءة اللغة".‏

وقد عاد البنيويون إلى تمييز (سوسير) بين (اللغة) langue و(الكلام) Parole بهدف رسم معالم مقاربة للأدب. وكما أن اللسانيات غير معنية بالقول الفردي (الكلام)، وإنما بمنظومة اللغة ككل، فإن المنهج البنيوي يعتبر الأعمال الفردية أمثلة على الكلام تسترشد بقواعد تنتمي إلى (اللغة) الأدبية العامة. يؤكد تودوروف أن النص الإفرادي هو الوسيلة التي يمكن للمرء أن يصف من خلالها خصائص الأدب بصورة عامة، وأن خصائص القول الأدبي تقتصر على الأدب ذاته، مستشهداً بمفهوم (الأدبية) لدى الشكلانيين الروس.‏

ويفترض النقد البنيوي أن النقد هو امتداد لعملية القراءة، وأن (الناقد) هو قارئ نموذجي يتمتع بقدرة فائقة على التعبير. يؤكد هذا (بارت) في كتابه (نقد وحقيقة) الذي ردَّ به على كتاب (نقد جديد أم دجل جديد) لريمون بيكار الأستاذ في السوربون، والذي زعم أن النقد الجديد يتخلّى عن الوضوح والذوق والموضوعية، وهي القيم التي يتحلّى بها النقد الأكاديمي (التقليدي). فأوضح (بارت) أن القراءة تختلف عن النقد في أنها عملية اندماج مع العمل الأدبي، بينما يضع النقدُ الناقدَ على بُعد معيّن من النّص. ويتكوّن النقد من بناء فعلي لمعنى النص. والأعمال الأدبية لا تمتلك -في البنيوية ـ معنى أحادياً. وهذا الإلحاح على تعدّدية المعاني في نصّ معيّن هو النتيجة المنطقية لغياب كل قصد للمؤلف في الأدب. والتخلّص من قصد المؤلف يفتح الطريق للتخلّص من فكرة وجود معنى مركزي للنص. وهكذا لا تتحدّد وظيفة الناقد باسترجاع معنى النص، وإنما هي نتيجة وعي تام بتعدد معانيه، وبالخروج بتفسير يمثّل واحداً لا أكثر من الإمكانيات الكامنة فيه، ذلك أن الأدب يقوم ـ كما يقول بارت ـ على تعدّدية المعاني، ولو كانت الكلمات لا تحمل سوى معنى قاموسي واحد لما كان هناك أدب.‏

إن التأكيد على (الدال) على حساب (المدلول) هو الذي يجعل (الشعرية) موضوع بحث محبّب عند البنيوية. ولعل (المساهمات البنيوية في مجال نظرية السرد) تقدم أفضل مثال على طبيعة الشعرية البنيوية: (فتودوروف) في كتابه (قواعد الديكاميرون) يعالج بنية السرد بشكل عام، وليس بنية سرد كتاب بعينه، من أجل تأسيس (علم سرد) يعمّده باسم (السردية) Narratology. أما حكايات الديكاميرون فمستخدمة كمادة اختبار فقط، وقد اختيرت لأنها تبدو وكأنها مبنية على أسس سردية لا نفسية أو وصفية أو فلسفية. والافتراض هو أن كل حكاية تكشف عن جزء من (بنية سردية). ويأخذ (تودوروف) على عاتقه رسم معالم هذه البنية المجردة. ويقوم بتحليله لحكايات الديكاميرون على استخدام صارم وحرفي جداً للمقولات اللغوية: فيبدأ بتقسيم السرد إلى أوجه: دلالية (مضمونية)، ولفظية (لغوية)، ونحوية (العلاقة بين الأحداث)، وهو محط اهتمام (تودوروف) الرئيسي، حيث تُؤخذ شبه الجملة كوحدة أساسية تتألف بدورها من مبتدأ وخبر. ثم ينتقل (تودوروف) إلى وضع المقولات الأولية لنحو السرد (اسم العلم، والصفة، والفعل...) أما المقولات الثانوية فتتكون من مفاهيم لغوية مماثلة (النفي، والتعارض، وصيغ التفضيل، وصيغ الفعل....).‏

والواقع أن التطبيق التفصيلي لهذه المقولات على أمثلة السرد مملّ، ولا يقدم كثيراً من التنوير. وهذا هو التحليل البنيوي للسرد عند (تودوروف). أما (التحليل البنيوي للسرد) عند (رولان بارت) فيرى السرد جملة طويلة، واللغة والسرد يتشاكلان، ومستوى السرد الذي تجاهله (تودوروف) هو (القصّ) Narration وهو الأسلوب الذي تُسرد به القصة. ولم يكن تطبيق (بارت) لبعض مصطلحات (بنفنست) مثمراً.‏

ثم عرضت الباحثة نظرية (جيرار جينيت) في السرد في كتابه (الخطاب السردي)، حيث لم يعدّ السرد فيه نتاج تفاعل مختلف المستويات التي يتألف منها، وحيث يرى أن (علم السرد) يتكوّن من تحليل العلاقات القائمة فيما بينها. وعرّف (القول السردي) بأنه القول الشفهي أو المكتوب الذي يتولّى الإخبار عن حدث أو سلسلة من الأحداث؛ ورأى أن تحليل السرد هو في جوهره دراسة للعلاقات بين السرد والقصة، بين السرد وطريقة القصّ. وتبنّى مصطلحات لغوية مثل (الصيغة)، وبلاغية مثل (الحذف)، وصاغ تسميات جديدة لمصطلحات قديمة: فالاسترجاع الفني (الفلاش باك) يصبح لديه (استعادة) Analepsis، ووجهة النظر Point of view تصبح لديه (التبئير) Focalization.‏

وفي القسم الثاني من كتابه درس (جينيت) رواية بروست (البحث عن الزمن الضائع) حيث طبّق في تحليلها مقولاته النظرية في السرد، فبّين الجدوى العملية التي تحملها النظرية السردية في مجال تحليل الأعمال الأدبية، ورأى أن سرد بروست ينحرف عن النموذج، وأن هذه الرواية تخرق قوانين السرد التي يقترحها النموذج المجرد، ولكن دون أن تنتقص صلاحيتها.‏

وهكذا يسعى النقد إلى تفسير العمل الأدبي، بينما يهتم المنهج البنيوي بتطبيق القوانين والقواعد اللا شخصية التي ليست الأشياء الموجودة إلا تحقيقاً لها(9).‏

ثم عرضت الباحثة كتاب (س/ز) 1970 لرولان بارت الذي يشكل قطيعة مع النقد البنيوي، والذي يفتتح به عهداً جديداً في النقد هو (النقد ما بعد البنيوي) حيث يستبدل فيه النقد بالتعليق على قصة قصيرة لبلزاك عنوانها (سارازين). وتقوم دراسة بارت للرموز على التمييز الذي يضعه بين القابل للقراءة والقابل للكتابة: فالقابل للكتابة هو المصطلح الإيجابي، لأن القيمة تُعزى إلى الإنتاج الأدبي بدلاً من النسخ أو التمثيل. وأما القابل للقراءة فهو ما نميزه ونعرفه سابقاً. إنّه النّص الذي نستهلكه كقراء، باستسلام، في حين أن النص القابل للكتابة يتطلّب من القارئ تعاوناً فعلياً، ويقتضي منه المشاركة في إنتاج النص وكتابته. وبصفة عامة فإن النصوص الكلاسية هي نصوص قابلة للقراءة، بخلاف النصوص الإبداعية القابلة للكتابة.‏

ويتكوّن الأدب ـ عند بارت ـ من مدوّنات خمس هي:‏

1 ـ المدوّنة التأويلية التي تطرح من خلالها أحجية يجري حلّها لاحقاً في النص.‏

2 ـ المدوّنة التضمينية التي تقرر الموضوعات.‏

3 ـ المدوّنة الحدثية التي تقرر الحدث والسلوك.‏

4 ـ المدوّنة الرمزية حيث تصبح المعاني متعددة وقابلة للعكس.‏

5 ـ المدوّنة الثقافية التي توفر المعلومات الاجتماعية والعلمية.‏

وهذه المدوّنات مشتركة بين المؤلف والقارئ، وهي تخلق نوعاً من الشبكة يمّر من خلالها النّص، وهي تختلف عن علم قواعد الشعرية البنيوية لأنها لا تحتل منزلة النموذج، وإنما هي أمثلة على (الكلام) Parloe الذي لا يملك لغة Langue أولية. وبهذا يتضح أن (الحقيقة) لا تملك أية مكانة واقعية ضمن النص الأدبي. ويبيّن بارت أن الحقيقة هي أبعد ما تكون عن مهمة تنظيم الأدب وإبداعه من الخارج، وإنها مجرد سراب خادع تحدثه واحدة من مدوّناته الخمس. كذلك فإن (الشخصيات) عنده ليست أشخاصاً "حقيقيين" وإنما هي مؤشرات تنتجها المدوّنة التضمينية من خلال تسميتها لخصائص يُضفي عليها مظهر الفردية والواقعية عن طريق إعطائها (اسم عَلَم) فالشخصية المسمّاة (سارازين) مثلاً هي مجرد مجموعة من السمات التي يتمّ توحيدها بصورة اعتباطية عن طريق تسميتها (سارازين). ولا يملك المؤلف نفسه من الجوهر أكثر مما تملكه شخصياته. فهو مثلها، ومثل القارئ: مجموعة من المدوّنات، يقول بارت: "إن الأنا التي تقارب النص هي في حدّ ذاتها تعددية من نصوص أخرى، ومن مدوّنات أخرى غير متناهية، مفقودة".‏

في فصل (ما بعد البنيوية) عرضت الباحثة (لديريدا) باعتباره استمراراً للبنيوية، ونقضاً لها في آن.‏

وفي فصل (نظريات الأدب الماركسية) الذي كتبه (ديفيد فورثماكس) عرض فيه عينة من الاستراتيجيات التي طوّرها الماركسيون بغية تفسير الأدب من منظور علاقته بالمجتمع. وقسم مقارباتهم إلى نماذج هي: النموذج الانعكاسي، والنموذج التكويني، ونموذج الإنتاج، ونموذج المعرفة السلبية.‏

(فالنموذج الانعكاسي) يرى أن الأدب يعكس واقعاً خارجياً عنه. وقد استخدم لينين هذا النموذج عندما كتب عن تولستوي باعتباره "مرآة الثورة الروسية". وأغلب المنظّرين الأدبيين عالجوا الأعمال الأدبية باعتبارها تدل على حقيقة واقعة خارجها. وكمثال على ذلك فإن الباحث يعرض جهود المفكّر الهنغاري (جورج لوكاش) الذي يرى أن الأدب لا يعكس الواقع مثلما تعكس المرآة الأشياء الموضوعة أمامها، وإنما الأدب معرفة بالواقع الخارجي، تنعكس في الأدب، من خلال صياغة الكاتب الإبداعية لشكل العمل الأدبي الذي يعكس شكل العالم الحقيقي. والشكل الصحيح للعمل الأدبي هو الشكل الذي يعكس الواقع بأكثر الطرق موضوعية. إنه شكل رواية القرن التاسع عشر المبكرة لدى سكوت، وبلزاك، وتولستوي، لأنه الشكل الأكثر صحة لتجسيد معرفة بالمضمون التناقضي للمجتمع الرأسمالي إبان تطوره. أما "الواقعية" المتزايدة لكتّاب القرن التاسع عشر اللاحقين مثل فلوبير، وزولا، فهي نكوص عن الواقعية إلى نوع من الكتابة يعكس الواقع على نحو زائف، لأنها كتابة ترتكز على التفاصيل الدقيقة والتافهة، أو تطرح صورة عن العالم بالغة الذاتية. وبظهور بروست، وجويس الطليعيين، أصبح لدينا "انحلال تام لكل مضمون وشكل".‏

والواقع أن ما جاء به (لوكاش) ليس نظرية في الأدب بوجه عام، وإنما نظرية في الأدب الواقعي، أو بالأحرى في الرواية التي يراها الشكل الأدبي الحديث بعينه، وإنها ليست نظرية وضعية بل تقويمية، وإن صلته النظرية باللغة واهية، إذ يعتبر اللغة مجرد وسيلة لمبدأ رفيع عن الشكل.‏

وأما (نموذج الإنتاج) الذي طوّره الماركسي الفرنسي (بيير ماشريه) P.Macherey في كتابه (من أجل نظرية في الإنتاج الأدبي) 1966 فيختلف عن نموذج لوكاش الانعكاسي في العلاقة بين العمل الأدبي والواقع، حيث يرى أن العمل الأدبي هو عمل إنتاجي، وأن المؤلف ليس مبدعاً، وإنما هو منتج يحوّل المواد الأولية إلى نصوص أدبية. وهذه النظرية لا تختلف عن نظرية الشكلانيين إلى الكاتب كحِرفي يستعمل الأدوات، ومشابهة لتأكيد بارت في (س/ز) على أن الكتابة ممارسة تستعمل المدوّنات.‏

ويرى ماشريه أنه على الرغم من انطلاق الكاتب من مشروع يعتزم بوساطته خلق نص موحّد ومتماسك، فإن هذا التماسك لم يتحقق عملياً: فمشروع جول فيرن مثلاً الذي هو بيان لكيفية قهر العلم للطبيعة، ومشروع بلزاك في (كوميدياه الإنسانية) الذي هو رصد للمجتمع وإصدار حكم عليه، كلاهما لم يتحقق وفق مقاصد مؤلفه. فرواية (الجزيرة الغامضة) لفيرن تحاول إضفاء طابع عصري على موضوعة (روبنسون كروزو) بتصوير مجتمع صغير من المنبوذين الذين يضطرون إلى وضع الثروة الطبيعية للجزيرة قيد الاستخدام الاجتماعي. ولكن مع تقدم القصة يكتشف منبوذو الجزيرة أنهم ليسوا الوحيدين في الجزيرة، فالكابتن (نيمو) يعيش فيها عند سفح البركان، ورجاله منتشرون في الجزيرة، وهم مزوّدون بالسلع. لكن ما كشفت عنه رؤية فيرن يختلف عما كانت ترمي إليه: فقد كان فيرن يعتقد بإمكان تحقيق الفتح الريادي لعوالم جديدة من قِبَل العلم والصناعة. وكان ذلك جزءاً من إيديولوجيا الامبريالية الاستعمارية. ولما كان كل روائي جيد لا بد له من إيديولوجيا ينطلق منها أو تقع في ثنايا عمله الأدبي، فإن الإيديولوجيا ما أن تدخل النص حتى تبدأ بالعمل مع العناصر الأخرى، فتغدو "مجوّفة"، وتتحوّل إلى تخييل، بحيث لا تعود الشيء نفسه الذي كانته من قبل. وهكذا يتبدّل مشروع فيرن عندما يدخل إلى السرد الخاطئ. كذلك تتناقض أقوال بلزاك الإيديولوجية مع عناصر أخرى في سرده المتباين. وتتحوّل إلى شيء آخر، بفعل التخيّل، ذلك أن الأدب يتحدّى الإيديولوجيا باستخدامه لها، وأن المهم في العمل الأدبي هو الأمور التي لا يقولها العمل الأدبي. ومن هنا فقد رفض ماشريه فكرة كون النقد تفسيراً، وذلك لأن التفسير نصّ معيّنٍ ينطوي بدهياً على استخراج أشياء موجودة في العمل الأدبي، ولكنها غير واضحة للقارئ المسرع. وهذا ينطوي على افتراض أن ما يحتويه النص تام ومتماسك ويحمل معنى يقتضي الكشف عنه.‏

وعلى الرغم من أوجه التشابه بين البنيوية وعمل ماشريه، فإن عمله يبتعد عن البنيوية حين يقترح أن اكتشاف كيفية تكوّن النصوص للمعنى ليس كافياً، وأنه يجب على المنظّر الأدبي أن يشرح النص في ضوء فهم نظري لواقع يتضمّن المؤلف والنص والقارئ المنظّر. وهكذا تنبذ نظرية ماشريه النقد التفسيري، وتختلف عن نقد لوكاش الماركسي فتستبدل الانعكاس بالإنتاج، وتستبدل فكرة النص التام المتماسك بفكرة النص غير التام والذي يملأ فجواته القارئ أو المنظّر. وهي وصفية لا تقويمية، وتكشف الحضور المبدع للمؤلف بتصويره كشخص غير واعٍ تماماً بما يفعله النص الذي أنتجه.‏

وأما (النموذج التكويني) فيمثّله منظّر علم الاجتماع، الروماني المولد، (لوسيان غولدمان) L.Goldmann الذي ربط (بنية العمل الأدبي) بـ(البنية الذهنية) للمجموعة البشرية التي يعيش المؤلف بين ظهرانيها، ذلك أن الفئة الاجتماعية المعنيّة تملك شكلاً من الإيديولوجيا يطلق عليها اسم (رؤية العالم) التي هي أسلوب تعبير هذه الفئة الاجتماعية.‏

وهكذا تمتلك مقاربة غولدمان كثيراً من الأرض المشتركة مع النظريات القديمة إلى الأدب كشكل من أشكال التعبير، ولكنه يختلف عنها في كونه يرى في العمل الأدبي تعبيراً ليس عن ذات المؤلف وإنما عن فئته الاجتماعيّة التي ينتمي إليها. وقد أكدّ أن منشأ بنية العمل الذهنية يقع في السلوك الاجتماعي الذي رأى أنه ينبثق ليس من إرادة أفراد منفصلين، وإنما من إرادة مجموعة اجتماعية. لكن الأمر لم يصل بغولدمان إلى درجة إلغاء دور المؤلف تماماً، وإنما اعتبر أن الكاتب العظيم هو مَنْ يتقن صوغ البنية الذهنية لفئته الاجتماعية، وبذلك يشكل العمل الأدبي إنجازاً جمعياً من خلال وعي مبدعه الفردي. وهو إنجاز يكشف للفئة الاجتماعية المنحى الذي تسير فيه دون دراية منها.‏

في كتابه (الإله الخفي) 1955 يتحرّى (غولدمان) الصلات المتبادلة بين الفئة الاجتماعية و الحركة الدينية الجانسينية التي كان تأثيرها واضحاً على باسكال في (خطراته) وراسين في (مسرحياته). فوجد فيها رؤية (مأساوية) يبدو فيها الإنسان ممزقاً بين التزامات متناقضة يمنعه العالم من التوفيق بينها: فالفئة الاجتماعية (نبلاء الرداء) في فرنسا القرن السابع عشر والمؤلفة من القضاة وكبار الموظفين، ممزقة بين اعتمادها على الحكم الملكي المطلق، والجاذبية الفردية للبورجوازية. والحركة الجانسينية ممزقة بين السلطة المطلقة للإله الخفي، وعقلانية العالم. وقد احتلت هذه التناقضات موقعاً مركزياً في تفكير باسكال وراسين اللذين كانا جانسينيْين ومن نبلاء الرداء.‏

وقد عرض غولدمان هذه الالتزامات المتناقضة في زوايا المثلث: الله، والعالم، والإنسان، أو الفرد المأساوي، ففي مسرحية(فيدر) Phedre لراسين يمثّل الله بالإلهتين الوثنيتين: فينوس والشمس اللتين تقومان بدور ضمير فيدر الأخلاقي. ويمثّل العالم بشخصيتي هيبوليت وتيزيه اللتين يعوزهما الوعي، ولا يملكان واقعاً ولا قيمة، وإنما يوفران الفرصة لفيدر الشخصية المأساوية، لتدرك خطأ حبها المحرّم، وليعيداها إلى الحقيقة.‏

وأنما (نموذج المعرفة السلبية) فيمثّلها (تيودور أدورنو) T.Adorno (-1969) من مدرسة فرانكفورت، والذي شنّ هجوماً على لوكاش، اتهمه فيه بالدوغمائية، وبيّن كيف أن لوكاش كان واقعاً في فخ النظرة (المادية المبتذلة) إلى العمل الأدبي كانعكاس للواقع. بينما يرى (أدورنو) أن الفن والواقع يقفان على مسافة من بعضهما، وأن هذه المسافة تمنح العمل الفني موقعاً ممتازاً يمكنه من نقد الواقع، وذلك بواسطة (القوانين الشكلية) الخاصة بالأدب، والمتمثلة في (الإجراءات والتقنيات) التي تفكك مادة الموضوع وتعيد ترتيبها، وبهذا التشديد على القوانين الشكلية للفن، باعتبارها إجراءات وتقنيات، وباعتبارها اندماجاً للذات والموضوع، يشرح (أدورنو) كيف أن الكتّاب الذي يقرّعهم لوكاش على (ذاتيتهم) إنما يضعون أنفسهم على مسافة من الواقع، لكي يقوّم عملهم بنقده.‏

والعمل العظيم عند (أدورنو) هو العمل الذي ينجح في كشف التناقض بين المظهر والواقع. فعندما يلجأ بروست وجويس مثلاً إلى المونولوج الداخلي، فهما يعرضان الذات مستلبة ومعزولة عن المجتمع، ولكنهما يضعان الذات ضمن سياق اجتماعي يعيد تأسيس المنظور الصحيح الذي يُظهر الذات المفردة كمجرد جزء من الكلية، وبذلك يكشفان الواقع المتناقض الذي يقطنانه، وهو واقع يبدو الناس فيه تحت رحمة القوانين الميكانيكية للسوق وللدولة المعقلنة والبيرو قراطية.‏

وقد طوّر (أدورنو) وزملاؤه في معهد فرانكفورت للبحوث الاجتماعية نظرية في الثقافة رأت أنه مع تزايد عقلنة المجتمع الرأسمالي غدت الثقافة صناعة. وبما أن العمل الأدبي يحمل مضموناً ويسعى إلى طرح رسالة سياسية فإنه سوف ينتقض حالاً من قبل صناعة الثقافة الموجهة نحو تحييد النقد من قبل النظام الاجتماعي.‏

هوامش:‏

1 ـ الجانسينية: مذهب مسيحي يقوم على فكر اللاهوتي الهولندي جانسينيوس (1585 ـ 1638) الذي اشتهر بكتابه (أوغسطينوس) الذي نشره عام 1630 وأحيا فيه مذهب القديس أوغسطين حول القَدَر والعفو الإلهي.‏

2 ـ باسكال: (1623 ـ 1662) عالم وفيلسوف وكاتب فرنسي. أصدر في المجال الديني كتابين هما: الخواطر، والقرويات. في الأول يدلّل على معقولية الإيمان على أساس لا معقول. ومن الأصوب أن نراهن على صحة الدين مادام يكسبنا دون أن نخسر. وفي الثاني 18 رسالة يدافع فيها الجانسينيين ويهاجم اليسوعيين في تأويلهم للعفو الإلهي.‏

3 ـ جان راسين: شاعروكاتب مسرحي فرنسي: تربّى في دير (بور رويال)، ومن أهم مسرحياته: أندروماك (1667)، وميتريدات (1673)، وإيفجيني (1674)، وفيدرا (1677)، واستر (1689)، واتالي (1691).‏

4 ـ تر: مصطفى المسناوي ـ دار الحداثة ـ بيروت 1981.‏

5 ـ البنيوية والنقد الأدبي ـ ملحق بكتاب البنيوية التكوينية والنقد الأدبي ـ لمجموعة من النقاد الفرنسيين ـ تر: إبراهيم الخطيب ـ مؤسسة الأبحاث العربية ـ بيروت 1984 ص 123.‏

6 ـ انظر كتابنا: البطل الإشكالي في الرواية العربية المعاصرة ـ دار الأهالي ـ دمشق 1992.‏

7 ـ تر: قاسم المقداد ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1993.‏

8 ـ لندن 1982 تر: سميرمسعود ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1992.‏

9 ـ تودوروف ـ التحليل البنيوي للأدب (حكايات هنري جيمس) ـ ضمن كتاب: البنيوية ـ تقديم روبي ـ اكسفورد 1973 ص 73.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244