الكاتب في بلاد الرافدين القديمة ـــ عامر عبد الله الجميلي

دراسة ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Wednesday, February 01, 2006 01:25 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث مكانة الكاتب الاجتماعية: ـ منزلة الكاتب

كان لامتلاك الكتبة ناصية الكتابة أهميتها في مجتمع بلاد الرافدين, إذ أبدت سائر الفئات الاجتماعية الأخرى, من فلاحين وتجار وصناع وغيرهم, احتراما كبيراً نحوهم. ودون شك فإنَّ هذه المكانة المرموقة قد جاءت من أهمية الدور الذي كانت تؤديه هذه الفئة آنذاك في حياة الأفراد كافة.

وهناك من الباحثين من يشير إلى أن هذه الفئة قد اكتسبت هذا المركز الاجتماعي أسوة ببقية الفئات المهمة الأخرى في المجتمع ممن ارتقت إلى مكانة عالية ومنها فئات قادة كبار الجيش أو القضاء أو الكهنة, إذ اقتصر امتهان هذه الوظائف على أبناء ذوي النفوذ وأولاد الأغنياء وقد لوحظ من دراسة عدد من النصوص العائدة إلى عصر سلالة أور الثالثة أن معظم الكتبة كانوا من أبناء حكام المدن وموظفي المعابد وأولاد القادة العسكريين أو أولاد الكهنة وأولاد الكتبة أنفسهم([1]).

ومن ثمَّ ورث هؤلاء الكتبة وظائف آبائهم وتسلموا مهام ومناصب إدارية مهمة في الدولة فأصبح منهم الرسل وحكام المدن ومسؤولي المعابد أو قادة في الجيش كما شغل آخرون منهم مسؤولية إدارة الضرائب أو المحاسبة أو رؤساء العمل والبعض منهم من أصبحوا كهاناً([2]).

ونظراً لأهمية مركز الكاتب ودوره المرموق آنذاك في مجتمع بلاد الرافدين, دفع بعض الملوك والحكام بأبنائهم إلى الدراسة لمعرفة أسرار الكتابة وامتهان هذه الوظيفة مستقبلاً ومما يعكس هذا التوجه, مضامين عدد من النصوص التي اكتشفت مؤخراً في تنقيبات مدينة (اومّا) الأثرية, إذ تبين من خلال دراسة تلك النصوص أن حكام مدينة (اومّا) في عصر فجر السلالات السومرية كانوا يعملون بصفة كتبة (ŠDUB. SAR. ME) قبل أن يتسنموا مناصبهم الجديدة, وهو تقليد فريد من نوعه يعكس علو منزلة الكاتب([3]).

وكذلك تلقب حاكم مدينة اشنونا (شو ـ ايليا ŠU-iliya) في عهد آخر ملوك سلالة أور الثالثة (ابي ـ سن 2028 ـ 2004 ق.م) بلقب (DUB. SAR) أي الكاتب([4]).

هذا ويتأكد دور الكتبة ومكانتهم الاجتماعية والثقافية ممن يُعتد بهم ليس في بلاد الرافدين فحسب, بل امتد الاهتمام بهم إلى الأقطار المجاورة, إذ تمَّ استدعاء بعض الكتبة من بلاد الرافدين إلى عدد من تلك البلدان للقيام باستنساخ النصوص والتآليف الأدبية.

فقد زودتنا نصوص مدينة (إبلا) ـ تل مرديخ ـ في سورية بالقرب من حلب ونصوص تل (أبو الصلابيخ) في العراق قرب الديوانية بمعلومات مهمة عن التعاون الثقافي بين الجانبين, حيث كان بعض كتبة بلاد الرافدين يقيمون لمدة 6 أشهر في العراق و6 أشهر أخرى في مدينة إبلا, كما كان يتم تبادل بعضاً من الكتبة الأكفاء من المختصين آنذاك من مكان لآخر, ويمكن أن نشبه الحالة إلى حد ما بما يقوم به الأستاذ الزائر في عصرنا الحالي, كذلك كان هناك عدد من النصوص تشير إلى إجراء مشاورات بين الكتبة العراقيين والإبلائيين في شؤون التربية والتعليم, فقد كان يلتقي أولئك الكتبة في جلسات خاصة للمداولة فيما بينهم, إذ تذكر النصوص المكتشفة في مدينة إبلا بهذا الخصوص عن حضور كاتب مختص بعلم الرياضيات من مدينة (كيش) ـ تل الاحيمر ـ إلى مدينة إبلا للتشاور مع الإبلائيين في المسائل الخاصة بعلم الرياضيات وشؤون التدريس, فضلاً عن مناقشة بعض الأمور الثقافية المهمة فيما بينهم([5]). كما أكدت نصوص (أبو الصلابيخ) على استقدام (20) كاتباً إلى مدينة (إبلا) لتدريب الكتبة هناك وترجع هذه النصوص إلى عهد الملك الاكدي (فرام ـ سن)([6]).

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا الدور المهم لم يقتصر على الكتبة فحسب, بل شمل الكاتبات اللواتي تفاخرن بمعرفة فنون الكتابة وكن يؤدين دورهن في المجتمع جنباً إلى جنب مع الكتبة, كما افتخرت الأميرات والملكات في العصر السومري الحديث بذلك واتخذن لقب (NIN. DUB. SAR.) أي السيدة الكاتبة, إذ اتخذت بعض الملكات هذا اللقب للإشارة إلى تنوّرهنّ بفنون الكتابة وعلومها فقد استلزم الأمر منهن أن يكن متعلمات ويُجدن الكتابة لارتباط هذا الأمر بمركزهن([7]).

كما تعكس النصوص ذات العلاقة بالحياة الاقتصادية كرمز الكاتب الاجتماعي المهم آنذاك فقد وردت أسماء عدد من الكتبة على مجموعة من أختامهم الشخصية من العصر الاكدي([8]), انظر شكل رقم (31) إذ ذكر فيها مصطلح (DUB. SAR.) أي الكاتب كصفة من صفات صاحب الختم([9]), كما ورد في كثير من العقود الاقتصادية خلال العصر البابلي القديم درج أسماء الكتبة في تلك المعاملات كأطراف فاعلة ومهمة فيها, ومن ذلك مثلاً أنهم قاموا بشراء عقارات كبيرة وعبيد وكميات كبيرة من الحبوب كما قاموا بإقراض الأموال وتأجير عمال الحصاد واستثمار الحقول من الأسرة الملكية([10]).

ومما يؤكد مركز هؤلاء الكتبة الاجتماعي طبيعة الأختام التي امتلكوها واستخدموها في تصديق تلك المعاملات, إذ كان كل كاتب يمتلك ختماً خاصاً به لتأكيد استلام البضائع أو تصديق الوثائق, فقد ظهرت في نقوش هذه الأختام أسماء الكتبة وأسماء آبائهم أو معلميهم ومهنهم فضلاً عن ذلك تميزت الأختام التي استخدمها هؤلاء الكتبة بأحجامها الكبيرة كما احتوت على تصاميم ونقوش مميزة وقد صنعت من أحجار كريمة واعتيادية. وهو ما يشير إلى أن هذه الأختام لم تكن شخصية وإنما كانت رسمية, إذ كان يمتلكها القليل من الأشخاص ذوي المراتب العالية ومنهم الكتبة الذين يتحملون نفقات شراء ختم حفر بطريقة خاصة فقد كان عمل مثل هذه الأختام غالية جداً آنذاك([11]).

وفي العصر الآشوري الحديث كان الكاتب دائماً هو الشخص الثالث في أي تنظيم إداري للدولة أو القصر أو المعبد أو المدينة أو المقاطعة أو المؤسسات الأخرى([12]). وقد بلغت مكانته درجة جعلته من الموظفين المقربين في بلاطات الملوك والحكام, ومن الكتبة الموظفين الذين بلغوا مستوى رفيعاً آنذاك كاتب الملك الذي بلغ من المكانة ما جعلته أحد الأعضاء البارزين الذين شكلوا عضوية رفاق مائدة الملك سرجون الآشوري خلال حكمه([13]).

فضلاً عن ذلك تمتع أولئك الكتبة الرسميون (الإداريون) بحصانة وضمان لشخصيتهم من قبل القصر, بحيث لم يكن مسموحاً لأحد آنذاك بالتجاوز على حقوقهم أو أملاكهم, حيث جاء في رسالة بهذا الخصوص موجهة إلى كاتب القصر: "أن حاكم بيت نالاني قد قام ببيع الخدم الذين أخذهم من بيت كاتب القصر إلى مردُك ـ اريبا"([14]).

كذلك كان الكتبة آنذاك يعدون مسؤوليين أمنيين في البلاد فضلاً عن مهامهم الكتابية, فقد بلغت مكانة كاتب الملك في ذلك العصر درجة تسمح له أن يمنع من يشاء من دخول بعض أجنحة القصر الملكي حتَّى إذا كانوا من الموظفين فيه([15]).

كما جاء في إحدى قوائم مساكن موظفي القصر عن تخصيص ثلاثة مساكن للكتبة في داخل القصر لأهمية دورهم فيه([16]). كذلك انعكست مكانة الكاتب الاجتماعية على وضعه الاقتصادي, إذ ورد في إحدى الأوامر والقرارات التي وصلتنا من العصر الآشوري الحديث ما يفيد أن (أخابوا) كاتب القصر كان يمتلك (3000) نعجة, حيث أمر الملك سرجون الآشوري أن يتبرع ويخصص هذا الكاتب نعجة واحدة منها أسوة بما تبرع به موظفو القصر لصيانة معبد الآلهة عشتار([17]), ممَّا يتبين مدى ثراء هذا الكاتب.

ومن الأمور التي أظهرت أهمية الكاتب ومكانته ما عكسته المنحوتات البارزة والتماثيل والرسوم الجدارية والأختام الأسطوانية من مشاهد عدة للكتبة من مختلف العصور وسنحاول إلقاء الضوء على هذا الجانب لاحقاً في الفصل الخامس عند الحديث عن ظهور الكاتب في الأعمال الفنية (انظر الأشكال والملاحق المرفقة).



([1])  Gadd, op. Cit, p. 23.

([2])  Lansing op. cit, p. 81.

([3]) هذا ما أفادتنا به الدكتورة نوالة المتولي رئيسة هيئة تنقيبات (أوما) سنة 1999 مشكورة.

([4])  Ruhong. WU, “Apolitical History of Eshnunna, Mari and Assyria during the Early old Babylonian Period”, JAC NO. I, 1992, p. 2.

([5])  KSM, p. 42.

([6])  Postgate, SUMER, 1982, p 43.

([7])  عيدان, أميرة: النساء الكاتبات, المصدر السابق, ص 7.

([8])  Collon, D “Catalogue of the Western Asiatic Seals in the British Museum Cylinder Seals” II, London 1982.

([9])  عبد الرزاق, ريا محسن: الكتابة على الأختام الأسطوانية غير المنشورة في المتحف العراقي, رسالة ماجستير غير منشورة, 1987, ص 78.

([10])  Harris op. Cit, p. 286.

([11])  ALANE, p. 105.

([12])  NWL, p. 96.

([13])  الجبوري, علي ياسين: الإدارة, المصدر السابق, ص 249.

([14])  ABL, NO. 220.

([15]) Turner. Op. Cit, p. 79.

([16]) ADD, NO. 860, L. 20 = SAA, II, p. 85.

([17]) ADD, NO. 1077, = SAA, XII, NO. 77 p. 85.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244