المســـــرحية في الأدب العربي الحديث - د. خلــيل المــوســى - (تـــأريــخ - تنــظــــير - تحليل)

من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 01:11 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث المسرحية الشعرية المعاصرة

تحدثنا في الفصل السابق عن مصطلح "المسرحية الشعرية" وفرّقنا بين "الشعر المسرحي" و"المسرح الشعري" أما مصطلح {المعاصرة} فإننا نعني به الزمنية والفنية، فالمعاصرة الزمنية ماأنتج من مسرحيات في النصف الثاني من هذا القرن، ونقصد بالمعاصرة الفنية المسرحيات ذات التقانات الجديدة، ولذلك تخرج المسرحيات التقليدية التي ألفت في هذه الفترة، ومنها -مثلاً- مسرحيات عزيز أباظة في مصر، وعدنان مردم في سورية وأمثالها.

المسرحية الشعرية المعاصرة:

إذا تلمسنا أسباب إخفاق المسرحية الشعرية التقليدية في أن تكون مسرحية، وجدنا أن أهمها أن الشعراء كانوا غنائيين قبل أن يكونوا مسرحيين، وأن الشكل الشعري القديم غنائي، وهو متأصل في الغنائية الشعرية العربية، ولذلك لم يساعد على رسم الشخصيات والحوار وبناء الحبكة، فهو ذو إيقاع أفقي أحادي يتلاءم والإحساسات المباشرة أكثر مما يتلاءم والنمو الموجي، وهو ليس إيقاعاً سمفونياً متعدد الأصوات أو ذروياً يتلاءم والبناء المسرحي الذي يقوم على الصراع والتأزم والعقدة والذروة والتلوّن، والوزن في القصيدة الغنائية أحاديّ الاتجاه، ولكنه في المسرحية متعدّد، يتلون بتلون الشخصيات وتنوّعها، ويختلف بين موقف وآخر عند الشخصية الواحدة، وقد حاول الشعراء -ومنهم أحمد شوقي- أن يستعينوا على ذلك بتعدد الأوزان والقوافي في العمل المسرحي الواحد، ولكنهم لم يفلحوا في الوصول إلى المسرحية الشعرية لأسباب ذكرها الدارسون(1).

أما المشكلة الأولى، وهي أن الشعر بشكله القديم لايطاوع العمل المسرحي ولايناسبه، فقد استطاع شعراء المسرحية المعاصرة التغلب عليه بالشكل الجديد، وإن ظلّ بعض هؤلاء الشعراء غنائياً داخل المسرحية، ويعود ذلك إلى أن معظمهم وفد إلى المسرحية من الشعر الغنائي، فظلت الغنائية عالقة في مسرحياته، أو هي تسلّلت من قصائده الغنائية إلى مسرحياته، وبخاصة إذا كان يزاوج بين الجنسين في فترة واحدة.

وقد حُلّت المشكلة الثانية بالثورة على الوزن الشعري الغنائي ذي الشطرين، ولكن المسرحية الشعرية لم تتخلص من الهيمنة الغنائية والمنبرية والخطابية التي رافقتها في المرحلة التقليدية، فظّلت مدسوسة هنا وهناك في جوانب المسرحية، تطلّ برأسها بين الفينة والفينة، وهذا يعود إلى مقدرة الشاعر وخبرته المسرحية، والمشكلة هنا أن كثيراً من الشعراء يعتقدون أنهم قادرون على أن يكونوا مسرحيين، فإذا لم يستطع أحدهم أن يجاري شعراء عصره في القصيدة الغنائية انصرف إلى ميدان المسرحية الشعرية ليثبت تفوقه، ونحن نتساءل هنا: لماذا لم يكتب المسرحية الشعرية شعراء من أمثال نزار قباني والسياب وخليل حاوي وأدونيس ومحمود درويش؟.

ومع ذلك كله فإن تغيراً ملموساً قد طرأ على بنية المسرحية الشعرية المعاصرة بتقاناتها وخصائصها، وهذا مايدعو إلى دراسة هذه التغيرات والوقوف بعد ذلك عند العيوب التي مازالت عالقة فيها.

أ- تقانات المسرحية الشعرية المعاصرة:

إن المسرحية جنس وافد إلى ثقافتنا ولايزيد عمره على قرن ونصف، فقد بدأ وليداً مع محاولات مارون النقاش في منتصف القرن الماضي، ولكن المسرحية تعثرت فيما بعد، ثم عادت إلى النهوض بقوة في النصف الثاني من هذا القرن، وكان لابد للمسرحية الشعرية من أن تستفيد من الثفافة المسرحية العالمية، فكان لموليير وشكسبير وبريخت بصمات واضحة في المسرحيات النثرية بعامة والمسرحيات الشعرية بخاصة، وأهم ملامح التقانات المعاصرة في المسرحية الشعرية:

1- تقانة الإبعاد الزماني والمكاني:

تقوم هذه التقانة على خلق واقع فني بديل من الواقع، يبتعد عنه زمانياً ومكانياً، ولكنه غير بعيد عنه من ناحية الدلالة، وتتم هذه التقانة عادةً باستخدام واقع تراثي، ويقوم هذا الإبعاد على عملية المشابهة بين الواقعين الفني والمعيشي، وبين الماضي والحاضر، وهو هنا إبعاد زماني ومكاني محدد، وتكون الحادثة التاريخية -مثلاً- هيكلاً عظمياً يبني عليه المؤلف مايريد أن يقوله، نجح في ذلك أم لم ينجح، ولذلك التجأ الشاعر يوسف الخال في مسرحيته الشعرية "هيروديا” إلى إنجيل متى [الفصل الرابع عشر] ليستقي منه مادته، وهي تتناول مشكلة يوحنا المعمدان مع هيرودس وهيروديا، ليعبّر من خلال المعمدان عن مشكلة الإنسان المعاصر الذي يرى الفساد ولايسكت عنه، فالمعمدان يرى أن هيرودس ملك الجليل حاكم ضعيف يسخر منه جنود الرومان الغرباء الذين يحمون حكمه، وهو يقف أيضاً في وجه هيروديا لأن زواجها من الملك غير شرعي، وهو لايبارك هذا الزواج، ولايقبل به، ولايسكت عنه، ولذلك كان الصراع بين امرأة فاجر من جهة وبين الشريعة والشعب من جهة، واستطاع الشاعر ان يبّين لنا أن الإنسان المبدئي المتمثل في شخصية المعمدان يشكل خطراً على الفساد، ولم تكن هيروديا تخشى إنساناً سواه، ولذلك عملت على مصرعه:

لا، فيهوذا

نقمة دونه ورجعُ عتابِ

وهيرودُ في قبضتي يتلوّى

فهو قلبٌ يهوى وعقلٌ يُحابي

فتراني أخشى، متى ظلّ حيّاً

أن يوالي على هواي التحابي

فإذا بالنبَّي حرٌّ، وبالأعداءِ

من حوله رؤوسُ حرابِ

ينضح السُّمَّ أصغراهُ، فمجدي

بارق خلّبٌ ونجمٌ خابي

وجناحٌ محلّقٌ صدم الريح

فأهوى ممرّغاً بالترابِ(2)

إن مأساة يوحنا المعمدان هي مأساة الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة ويُجاهر بها، ويضحي في سبيلها، ولذلك تنتهي هذه المأساة بنهاية الفصل الأخير حين أخبر القائد الروماني هيرودس برغبة روما في عزله نزولاً لرغبات الدمشقيين، ثم يُحيط الجنود بالقصر، ويهاجم الشعب الثائر الملك طالبين رأسه فداء للمعمدان.

إن تقانة الإبعاد هذه تتكرر في المسرحيات الشعرية المعاصرة، فالعفريت متسلط، غريب، يحضر إلى الجزيرة كل شهر ليقدم إليه أهلها عذراء يختارها، ولكن الشيخ الذي يرى مالايراه الآخرون يجابه العفريت وينتصر عليه في مسرحية "وادي العذارى" لخالد محيي الدين البرادعي، ونجد هذا الإبعاد المحدد في مسرحية "مكاشفات عائشة بنت طلحة" بين الحجاج رمز الطاغية وعائشة التي تتصدى له، وكذلك التجأ البرادعي إلى التاريخ البيزنطي في مسرحية "الإمبراطور زمسكس" لإسقاطه على تجارب معاصرة، فكان الموضوع التاريخي خلفية لما يجري في عصر الشاعر، وكانت شخصيات التاريخ خلفية لشخصيات اليوم، والإبعاد وسيلة درامية يعالج المؤلف من خلالها الأفكار السياسية التي يريد أن يطرحها، ولذلك يترك المجال مفتوحاً للمتلقي إذاء التأويلات،ويصبح النص مفتوحاً على أبعاد مختلفة لغناه وتعدد دلالاته.

2- التغريب وكسر الإيهام المسرحي:

هي تقانة وفدت إلينا من المسرح البريختي، والهدف منها إبعاد عاطفة المتفرج والإبقاء على ذهنه صاحياً ليفكر في الحل على نقيض المسرح الأرسطي الذي يقوم على إيهام المتفرجين بأن مايجري أمامهم حقيقة، ولذلك يتدخل الممثلون في بعض المسرحيات الشعرية ليعلنوا للمتفرجين بأن ما يشاهدونه أمامهم عرض مسرحي، وهذا ماحدث في مسرحية "بعد أن يموت الملك" لصلاح عبد الصبور حين وقفت المرأة الأولى في الفصل الثالث لتقول:

المرأة الأولى: هذا هو الحل الثاني -سيداتي سادتي- ولاندري هل أعجبكم -درامياً بالطبع- أم لا، فنحن نحكي لكم حكاية وهمية كما ترون، ولكننا سنعرض عليكم الحل الثالث كما وعدناكم، وفي إمكانكم عندئذ أن تقارنوا بين الحلول المختلفة(3).

ويتحقق التغريب وكسر الإيهام المسرحي في المسرح الملحمي حين لاتجسد الأحداث على المسرح، ولكنها تروي، فبهية في مسرحية "آه ياليل ياقمر" لنجيب سرور تروي معاناتها بعد استشهاد زوجها الأول ياسين، وتروي كيف استطاعت أن تنساه وتحب صديقه أمين، ويروي أمين كيف أحب بهية بعد وفاة ياسين، ثم تسرد بهية معاناتها بعد أن غادرت قرية بهوت إلى مدينة بور سعيد(4).

وتقوم النسوة الثلاث بدور الراوي في مسرحية "بعد أن يموت الملك"، ولحضورهن كبير الأهمية في هذا العمل الذي يبدأ بأحاديثهن عن هذه المسرحية ومؤلفها ومخرجها وممثليها(5) وينتهي بتعليقاتهن على الحل الثالث(6).

ويحتل الراوي محلّ الشخصية الأولى في مسرحية "مسافر ليل" لصلاح عبد الصبور، وهو يعرف بالشخصيات في غير مكان، أو يلخص المشاهد، أو يعلق على الأحداث:

الراوي: هذا حق

فالعدل بلامظهر

كالمرأة دون طلاء

كالمسرح -مسرحنا هذا- دون ستائر

ولهذا، فالعامل يقفز كي يجلس في أعلى العربة

فوق الرف الشبكي

ويدلي ساقيه،ويؤرجح قدميه على رأس الراكب

لاتندهشوا، هذا أيضاً حق

فقديماً قالو:

إن القانون....

فوق رؤوس الأفراد(7).

ويرى صلاح عبد الصبور في تذييله لهذه المسرحية أن الراوي بديل للجوقة التي عرفها المسرح الإغريقي(8)، وهو يعتقد أن الراوي شخصية من شخصيات مسرحيته، فهو بديل للجوقة يوضح ويعلق ويشير. أما دوره الرئيسي فهو ممثل لكل من هم خارج المسرح، لذلك فهو يقف على حافته(9).

ويحدثنا الراوي في مسرحية "وادي العذارى" للبرادعي، وينقل إلينا الحكايات الست التي تتألف منها مسرحيته، وهو يلخص ويمهد لهذه الحكايات واحدة واحدة، ويروي للمتفرجين مايتعذر تمثيله على المسرح، مثل:

الراوي: "عبلاء.. تتلفت.. تخلع ثوبها. يدفعها الصبايا برفق. تشرب.. تستحم.. تدور تحت الشلال المتدفق.. تخرج مسرعة لارتداء ثوبها"(10).

ويختصر الراوي بعض الأحداث بالإعلان عنها:

الراوي: "وانصرف مصباح قائد الشرطة. بينما ظل السلطان بمفرده يحدث نفسه، ويمشي بأرض القاعة مأخوذاً بخواطره"(11).

والراوي ذو دور كبير في هذه المسرحية، فلاتخلو حكاية من حكاياه الست من حضوره مرات، فيحلّ محلّ الجوقة في المسرح الأرسطي، ويغني المسرحية بملاحظاته وشروحه واختصاراته وتعليقاته.

3- المسرح داخل المسرحية:

هي تقانة أخرى معاصرة تنفرد بها المسرحية المعاصرة، وينهض فيها المسرح داخل المسرحية، لتقوم شخوصها بأدوار اخرى تدعم فكرة المسرحية الأم، وتكون رافداً يصب فيها لتعميق الفكرة والمضمون والهدف، وهذا مانجده في مسرحيتين شعريتين لصلاح عبد الصبور، ففي "ليلى والمجنون" تقوم شخوص المسرحية -وهم يعملون في الصحافة- بتمثيل مسرحية "مجنون ليلى" لأحمد شوقي، فيقوم الأستاذ بدور المخرج، سعيد بدور قيس، وليلى بدور ليلى العامرية، ويقوم حسان بدور ورد، وزياد بدور زياد صاحب قيس، ويوزع الأستاذ الأدوار في الفصل الأول -المنظر الأول، ويتدرب الممثلون على أدوارهم في المنظر الثاني(12).

وليس المسرح داخل المسرحية مجانيّاً أو حشواً، وإنما هو من صلب المسرحية، فسعيد الذي يقوم بدور المجنون يجنّ في حب ليلى بعد أن رأى حساماً يغتصبها، وهو الشاعر الوحيد الذي يحب ليلى ويضحي في سبيلها، في حين أن حساماً -وهو رجل ثوري تشتريه السلطة بعد سجنه- لايحب ليلى، وإنما هو يشتهي جسدها، فهل ليلى تمثّل مصر؟.

وتقوم وصيفات الأميرة الثلاث في مسرحية "الأميرة تنتظر" بأدوار مختلفة مع الأميرة في الكوخ الذي يسكنّ فيه منذ خمس عشرة سنة، وهن ينتظرن الأمير العاشق، وتتقنع الوصيفة الثانية بقناع الأمير المنتظر، ويبدأ التمثيل، فتخاطبه الأميرة وتتوسل إليه وتناجيه:

الأميرة: وأخيراً جئتَ يانهر حياتي.

فاسقِ جلدي شقّقته الشمس حتى صار كالأرض البوار(13).

ثم تتقنع الوصيفة الثالثة بقناع الملك المغدور والد الأميرة، كما تتقنع الوصيفة الأولى بقناع كبير الحراس، ويقمن بالأدوار المطلوبة، ينتقلن خيالياً من عالم الكوخ إلى عالم القصر، ثم يدخل السمندل، وهو من ينتظرنه، والسمندل رجل مخادع، دخل مخدع الأميرة بالحب وهي ماتزال صغيرة، ثم دلف إلى عرش أبيها فقتله واستولى على الملك.

إن هذه المسرحية التي قدمتها الوصيفات الثلاث والأميرة تشكل بنية صغرى داخل البنية الكبرى، وهي المسرحية الأم "الأميرة تنتظر" وهي تؤجج عواطف الأميرة ووصيفاتها، وتنقلهن خيالياً من الحاضر إلى الماضي، ومن عالم الكوخ الذي يعشن فيه إلى عالم القصر الذي كن يعشن فيه، ثم إن هذه المسرحية تمهيد لدخول السمندل مباشرة، ولذلك هي جزء من المسرحية الأم.

ب- خصائص المسرحية الشعرية المعاصرة:

للمسرحية الشعرية المعاصرة خصائص تميزها من خصائص المسرحية التقليدية، وليس من الضرورة أن تكون هذه الخصائص جديدة كل الجدة، فالرمز واللغة والحوار والشخصيات والصراع هنا وهناك، ولكن خصائص هذه العناصر الفنية هنا غيرها في المسرحية الشعرية التقليدية، فهي متطورة أو مختلفة عنها، ولذلك كان لابد من الوقوف عندها لاستجلاء ملامحها العامة.

1- الرمز في المسرحية الشعرية المعاصرة:

إن اللجوء إلى التعبير بالرموز ظاهرة جديرة بالانتباه في المسرحية الشعرية المعاصرة، فمن طبيعة الشعر الغموض والشفافية والإيحاء، وإذا تلاقى ذلك بالرمز تفتح فيه ذهن المتفرج على دلالات متعددة، وأصبح النص ثرياً بمحموله وتأويلاته، فاللامباشرة في التعبير من أهم خصائص الشعر، وهي تمنح الشخوص المسرحية ثراءً دلالياً ولذلك اتكأ بعض شعراء المسرحية الشعرية المعاصرة على الرموز للتعبير عما يريدون التعبير عنه، فقد لجأ صلاح عبد الصبور في مسرحية "بعد أن يموت الملك" إلى الرمز، فالملك في المسرحية عدو الحرية، وهو قادر في هذا المجال، يأمر فيطاع، ولذلك فهو رمز للطاغية، ولكنه لايستطيع -بالرغم من سلطته وسلطانه- أن يهب الملكة طفلاً، فتضع على سريرها طفلاً وهميّاً، ويهبها الملك كل شيء، ولكنه غير قادر على أن يزرع في أحشائها طفلاً، وتتحرك في داخلها عواطف الأمومة، فتكاد تجن، وتلح عليه بهذا الطلب، فيرى أن يستأجر لهذا الغرض رجلاً ثم يقتله:

الملكة: لكنكَ لم تقدر أن تعطيني طفلاً

تعطيني الماضي، لكن لاتعطيني المستقبل

الملك: حقاً.. لم أقدر

الملك القادر لا يقدر أن يهب امرأة طفلاً

الملكة : اختر لي من يملأ بطني الآن

الملك :يملأها الآن، ويملأ بطن الأرض غداً

الملكة: ماذا تعني؟

الملك: أقتله حين يتم مهمته الملعونة

الملكة: لا... لن تقتل رجلاً أعطاني زهره

أطلقه يضرب في الأرض(14).

ولذلك الملك عقيم، ولكنه ليس وحده من يتصف بالعقم، وإنما انتقلت هذه الصفة إلى حاشيته، فالملكة تطلب بعد وفاة الملك من وزيره ومؤرخه وقاضي مملكته أن يهبها أحدهم طفلاً، فيعتذرون، ولايستطيع الشاعر الذي يحبها أن يهبها ذلك الطفل، لأنه باع حريته برغيف الخبز، ولكنه يستطيع أن يهبها شعره، وتظل الملكة تنتظر طفلها، وتطالب بالعرش لهذا الطفل:

الملكة: أبغي ملكي.. أبغي هذا القصر.

الوزير: لكِ!

الملكة: لي. ولما أحمله من مستقبل.

الوزير: مستقبل!

الملكة: الطفل

الوزير: طفل الملك الراقد

الملكة: بل طفل النهر الخالد(15).

وهنا يتوضح بجلاء الرمز في هذه المسرحية، فليست الملكة سوى مصر، والنهر الخالد هو النيل الذي يزرع في أحشائها طفله.

والتجأ عبد الصبور إلى الرمز في مسرحيته "الأميرة تنتظر"، فالأميرة ترمز أيضاً إلى الوطن مصر، ويرمز الشاعر القرندل إلى صوت الحقيقة، وهو يقابل الشاعر في مسرحية "بعد أن يموت الملك"، أما السمندل فهو الحاكم الخادع الذي خدع الأميرة، وهي طفلة، ثم قتل والدها الملك، واستولى على العرش، وهو يقابل الملك في المسرحية الأخرى، والأميرة هنا هي الملكة هناك، والانتظار واحد في المسرحيتين والفكرة واحدة، وقد نظمت المسرحيتان في عام 1973.

2- اللغة في المسرحية الشعرية المعاصرة:

الشاعر الغنائي شاعر لغة قبل كل شيء، والشاعر المسرحي شاعر مسرح، وهذا يعني وجود اختلافات بين لغة الشعر الغنائي وبين اللغة الشعرية في المسرحية، أو بين اللغة الشعرية في كتاب وبين اللغة الشعرية على الخشبة، فالشاعر الغنائي يفّتق مضامين اللغة ويعيد صنعها لتقول مالم تكن تقوله، ولكن الشاعر في المسرحية نقيض ذلك، فاللعب باللغة خطر على المسرحية، ومقتل المسرحية الشعرية التقليدية في لغتها المنمقة المزخرفة، كما في مسرحيات عزيز أباظة، ولذلك أدرك بعض شعراء المسرحية المعاصرة أن عليهم أن يبحثوا عن لغة مختلفة عن لغة القصيدة الغنائية، فالمتفرج في المسرح غير القارئ في الكتاب، وإذا كانت اللغة في القصيدة الغنائية غاية في ذاتها فإنها في المسرحية الشعرية وسيلة لغاية أخرى، ولايعني هذا أنها نثرية، ففيها من الرشاقة والإيحاء مافي لغة الشعر الغنائي نفسه، ولكن ذلك يعني أنها لغة تتناسب والشخصيات التي تتكلم، وأنها لغة مسرح للفرجة قبل أي شيء آخر.

ومادامت اللغة في المسرحية الشعرية وسيلة فعليها أن تتصف بصفات كثيرة، أهمها أن تتناسب وعناصر العمل المسرحي، كالحوار والصراع والشخصيات، وأن تراعي وجود المتفرج، كأن تكون بعيدة عن التنميق والزخرفة والألفاظ الوحشية، وأن تكون مرنة مألوفة عادية بعيدة عن التعقيد، وأن يبتعد الشاعر عن الصنعة والتشابيه والاستعارات البعيدة، لتساعد لغته على رسم الشخوص والكشف عن مكنوناتها، لا لتدل على خبرته وقدرته اللغوية، ويتمثل هذا في اللغة التي استخدمها صلاح عبد الصبور في معظم مسرحياته ومن ذلك ما جاء على لسان شخوصه في "ليلى والمجنون":

ليلى: واتتني الجرأة أن آتي لأزورك

بيتك يبدو أجمل مما تحكي عنه

سعيد: بل أصبح أجمل حين دخلته

هل أصنع لك شاي؟

ليلى: شكراً ياحبّي

سلوى سألتني اليوم متى نتزوج؟

سعيد: ماذا قلت لها؟

ليلى: قلت لها ماأعرف

أني لاأعرف......(16)

هكذا يستمر هذا الحوار بلغة عادية سهلة مألوفة يومية، وإنْ كانت موزونة، ولكنها ليست غاية في ذاتها، وهي تسير هينة مطواعة كما النثر، وهذا مانجده إلى حد مافي بعض أعمال خالد محيي الدين البرادعي، ومنها هذا الحوار بين الأم وابنتها في مطلع إحدى مسرحياته:

فاطمة: مابكِ ياشيرين؟

أقرأ في عينيك كلاماً لاأفهمه وكأنكِ في هذا اليوم كيان آخر؟

شيرين: أجمل... أم... أسوأ من باقي الأيام؟

فاطمة: أنتِ -كشاهنامة- والدك الفردوسي تزدادين جمالاً في كل مطالعةٍ ياشيرين.

شيرين: أم... تنثر أزهار اللطف على ابنتها.

فاطمة.. بل أم تدرك أسرار الحسن بقامات العذراوات.(17).

واللغة المسرحية هي أولاً وأخيراً لغة المسرحيات فهي تنم عن صفاتها، وتكشف عن أبعادها، ولذلك عليها أن تتبدل وتتلون حسب الشخصية التي تتكلم بها، فلكل شخصية مستوى فكري، فلغة الحلاج المتصوف الشاعر غير لغة السجان والسجناء، فإذا تحاور الحلاج والشبلي -وهما متصوفان- فإنهما يتحاوران بلغة صوفية شعرية، فيها كثير من مصطلحات التصوف، وفيها شيء من الغموض، ومن أمثال ذلك:

الشبلي: أومأت، وماصرحت، فماذا تنوي؟

الحلاج: هل تذكر ماقال لنا عمرو المكي.. لماأعطانا الخرقة والعهد؟

"ياولدي.. الحب الصادق

موت العاشق

حتى يحيا في المعشوق

لاحبّ إذا لم تخلع أوصافك

حتى تتصف بأوصافه"

وأنا أنوي أن يكمل حبي للَّه

أنا أخلع أوصافي في أوصافه... إلخ(18).

ولكن الحوار بين السجينين الأول والثاني في المسرحية ذاتها يختلف لغةً ومستوى فكرياً:

الأول: دعني.. أو ألقيك إلى الأرض فأهشّم أضلاعك

الثاني: لن تقدر، قد أحكمت لجامك

[يلف ذراعيه بعنف حول رقبته]

الأول : دعني يامجنون

إنك تخنقني .. إني سأموت..

الأول: فلينقص عندئذ عدّ رعية مولانا جحشاً

الأول: أنقذني ياحارس...

ياحارس... ياحارس... ياحارس(19).

وبما أن مواقف الشخصية الواحدة تتغيّر بين لحظة وأخرى وحدث وآخر، فإن لغتها مرتبطة بتغيرها، ولذلك تختلف لهجتها في العمل المسرحي الواحد بين أوله ونهايته، فزمسكس شخصية مرّت بلحظات حاسمة متلاحقة في مسرحية "الإمبراطور زمسكس" للبرادعي، ولذلك كانت لغته في "اللوحة الأولى" حين كان قائداً أهمله الإمبراطور نقفور، مبطنة مداورة، تكشف عن شخصية غامضة، لكنها في الأحوال كلها وصولية، فهو يتسلل تحت جنح الظلام إلى حجرة نوم الإمبراطورة تيوفانو عشيقته، ويتخفى في ثوب ليس من حجمه، ويتذلل لها في غير مكان، ومنها: زمسكس: تيوفانو

مثلما أقنعتِ نقفورَ

بأن أبقى على قواتهِ

قائدها الأعلى

وفي أفياء قصره

جرّبي أن تقنعيه بطلاقكْ

حاوريه بهدوء امرأةٍ ماتت بها الأنثى

فيسعى لفراقك(20).

إن لغته هذه تتغير حين يصبح إمبراطوراً، وتصبح حادة صارمة صريحة، تدل على طغيانه، فلما حاولت زوجه ماريا أن تعرف موقعها منه طردها، ولما ذكرته بما فعله مع راهب القصر أتيكوس ثار ثورة طاغية وتغيرت لغته وفعله:

زمسكس: "يضرب طبقاً نحاسياً بعنف. تدخل فئة من المسلحين، يصرخ"

تقتلْ هذي المرأة في الحالْ

تقتل هذه الجاسوسة في الحالْ

تقتل قبل شروق الشمسِ

ليعلم من يأتي

كيف يخاطب مولاه الإمبراطور

"يجر الحراس ماريا بعنف ويغيبون"(21).

ومع ذلك فإن لغة الحوار في المسرحيات الشعريةالمعاصرة مختلفة بين شاعر وشاعر ، وبين مسرحية وأخرى للشاعر نفسه، ولكن لغة صلاح عبد الصبور في معظم مسرحياته تميل إلى الحديث العادي، وهي في مسرحية يوسف الخال تميل إلى جودة العبارة في القصيدة الغنائية ، وهي وسط بينهما عند البرادعي ، فليست لغته مطواعة كلغة عبد الصبور، وهي لاتميل إلى الارتقاء الأدبي كما هي عند الخال.

3- الحوار في المسرحية المعاصرة:

يتصل الحوار باللغة والشخصيات في المسرحية، وهو الأداة الرئيسة التي يبرهن بها الكاتب على فكرته، ويكشف بها عن شخصياته، ويمضي بها في الصراع إلى غايته، ولايكون الحوار موظفاً إلا إذا كان صادراً عن الشخصية التي تستخدمه، ويختلف الحوار باختلاف المواقف، ففي المواقف الوجدانية، كالعشق والغرام والحديث عن الذات، تكون العبارات رقيقة غنائية متدفقة، ويكون الخيال حراً طليقاً، وبخاصة إذا كان الحوار صادراً عن امرأة مصابة بالنرجسية وعبادة الذات، وهي لاتفتأ تتحدث عن نفسها، كما فعلت هيروديا، وهي تخاطب وصيفتها تامار في المقطع التالي:

هيروديا:

حسب تامار

فأزكى من الطيوب خصالي:

هل "لحواء" يوم آدم إغوا

 

ئي وشوقي إلى ارتياد المحال،

أم "لساره" بعض الذي وهبتْ نفــــ

 

ـسي وأملى على الزمان وصالي

أم "لراحيل" زهوة الحبّ في قلـــ

 

ـــبي وديباجة الصبا في جمالي

واستباقي الورود للنّور فجراً

 

برداء غضٍّ وسحرٍ حلال

أم "لإستير" رونقي وارتداد الــ

 

شمس عن طلعتي،وفرط جلالي

وخضوع الملوك رهن بنانٍ

 

دربتها المنى على الإذلال

أم "لإيزابيل" الدخيلة شيءٌ

 

من صدود العذاراء في إقبالي

وشموخي كأنما الكون خلق

 

بيمينى ومنحة من شمالي(22)

وإذا كانت الشخصية تتطلب الجدلية والتفكير تكون الجمل رزينة متزنة منطقية، ويمكننا هنا أن نضرب أمثلة عدة من اللوحة السادسة بالحوار الذي دار على لسان البطريرك بوليكتس في مسرحية "الإمبراطور زمسكس" وهو يستجوب زمسكس قبل أن يباركه إمبراطوراً، وهو يسجل في هذه اللوحة انتصارات لكنيسته، ويجبر زمسكس على الاعتراف بمن قتل الإمبراطور السابق نقفور، ويجرده من تيوفانو عشيقته والقائدين المخلصين ليو وحنا، ويبين له أن زواجه من تيوفانو باطل، ويطلب منه أن يطلقها في الحال، ونرى المنطق يتسلل إلى ساحة الشعر في حوار هذا الرجل، وبخاصة وهو يوجه خطابه إلى زمسكس ويستجوبه إزاء الجماهير المحتشدة، ومنها

البطريرك: وما كان راعٍ

يلامس وجه الصليب

ويخشع بين يدي مريمٍ

وهو قاتلْ

فهل أنت قاتلْ ؟ (23).

ويظهر الانفعال على الحوار حين تستثار الشخصية وهي في موضع القوة، كما رأينا في حوار زمسكس مع زوجه ماريا قبيل أن يحكم عليها بالموت.

ويتجلى التوسل والتضرع في الحوار حين تكون الشخصية في موقف الضعف، فلما طلبت عائشة بنت طلحة من العسكري الذي أرسله الحجاج ليبلغها برغبته في حضورها إليه أن يبصق في عيني سيده ووجوه بطانته بحزم قال: العسكري: "يركع أمام عائشة" مولاتي.. يكفيك استهزاءً بي

لي زوج وثلاثة أولادٍ ينتظرون رجوعي

وهم الجائع والحافي والعريان

وإذا عدت إلى مولاي لأسمعه هذا الردّا

سيداعب شفتيَّ بسيف لا يُروى

وأنا أعرف سيف الحجاج الظمآن

وأكون بحضرته عبداً مرتدّاً(24)

وهكذا يكشف الحوار في المسرحية الشعرية المعاصرة عن طبيعة الشخصيات ومكنوناتها ونوازعها وصفاتها وخصائصها.

4- الشخصية والصراع في المسرحية الشعرية المعاصرة:

للشخصية دور هام في المسرحية، وبخاصة إذا كانت مهيأة للصراع، واستطاع الشاعر أن يرسمها من داخلها ويظهر تناقضاتها وتوترها، كما فعل نجيب سرور في "أه ياليل ياقمر" حين صور شخصية بهية المتنامية الغنية، فهي تتذكر زوجها الأول ياسين في الوقت الذي تفكر في الزواج من أمين، وتقع في حب أمين، وهي تبكي على قبر ياسين، وتمثّل بنت المدينة، وهي ابنة البلد، ونراها تزغرد في الحلم في الفصل الأخير، ولكن زغرودتها تختنق بالبكاء، وتمد يديها إلى القمر، ولكن بينها وبين الوصول إليها بحوراً وأشواكاً وناراً.

وإذا كان القدر هو الذي يحرك الشخصيات والأحداث في المأساة الإغريقية فإن دور القدر قد اختفى في المسرحيات الشعرية المعاصرة، وبرز الإنسان ليحتل مكانه، فالشخصيات هي التي ترسم مصائرها، وهذا واضح في معظم هذه المسرحيات، فهو صراع بين شخصيات إيجابية وشخصيات سلبية.

ولاتمثل هذه الشخصيات نفسها بقدر ما تمثل خلفيات اجتماعية، فالمعمدان والقرندل والشيخ وعائشة والشاعر والراهب أتيكوس وماريا يمثلون الرائي والمناضل والشاعر. أما هيرود والحجاج والسمندل وزمسكس فهي شخصيات ذات خلفيات اجتماعية سلبية، وهي تمثل قوى الفساد والقهر والطغيان.

ويخلق التضاد في طبيعة الشخصيات ثنائيات ضدية ومواقف مختلفة ومصالح متغايرة، فيكون الصراع على أشده داخلياً وخارجياً، فالحجاج عاشق متيم بعائشة، وهو في الوقت نفسه طاغية مستبد، وعائشة أرملة مصعب وأجمل نساء الدنيا، وتكره الحجاج وتواجهه وتكاشفه، ولكنها لاتقطع صلتها به نهائياً، فيلجم جمالها طغيانه، وتكاد المسرحية تقتصر على هاتين الشخصيتين، فهما في المكاشفة الثانية والرابعة والخامسة، والحديث مع عائشة في المكاشفة الأولى عن الحجاج، والحديث مع الحجاج في المكاشفة الثالثة عن عائشة، وهذا أثرى الشخصيتين معاً.

والشخصية في المسرحية غيرها في الحياة، فهي فنياً تكون كاملة ذات صفات واحدة وإن كانت نامية، وقد تظهر أحياناً على غير حقيقتها، ولكن ذلك لايكون إلا لتدعيم هذه الحقيقة، فزمسكس كان يبدو من كلامه أنه وفي لسيدته وسيده ووطنه وأصدقائه، وكان هذا هو الوجه الظاهر، أما الباطن فقد كان نقيض ذلك، فزمسكس شخصية مسرحية شريرة طاغية غادرة ذات صفات ثابتة تشتمل منذ البداية على بذور تطوراتها المستقبلية، فهو منذ البداية يخون سيده الذي سوّاه قائداً في زوجه، ولذلك فإن الغدر من طبيعة هذه الشخصية، فلم نفاجأ بعدئذ حين غدر بسيده وصديقيه وعشيقته، ثم أودى بزوجه ماريا، وذلك لأن هذه الشخصية لم تخرج عن طبيعتها، أما تطور الغدر فهو عائد إلى تطور الشخصية بتطور مكانتها وقوتها، فقد كان غدراً يشوبه الحذر حين كان يبحث عن مكانة له في البدء، ثم تطور إلى غدر صريح وشديد حين صار الأمر بيده.

ج- العيوب في المسرحية الشعرية المعاصرة:

لايعني ماتقدم أن المسرحية العاصرة قد سلمت من العيوب التي لحقت بالمسرحية الشعرية التقليدية، ولايعني ذلك أيضاً أن هؤلاء الشعراء وصلوا إلى مالم يستطع الوصول إليه أرباب المسرحية الشعرية التقليدية، فمعظم هؤلاء الشعراء قد دلف إلى المسرحية الشعرية من الشعر الغنائي، كيوسف الخال وصلاح عبد الصبور وخالد محيي الدين البرادعي وسواهم، ولذلك ظلت بعض العيوب أو بقاياها عالقة بشكل أو بآخر ببعض هذه المسرحيات، وأهمها.

1- الغنائية في الحوار في بعض المقاطع:

كانت النزعة الغنائية مقتل الحوار في المسرحية الشعرية التقليدية، وقد نجمت هذه النزعة من طبيعة الشعر العربي، فهو متجذّر في الغنائية بشطريه ونظام القافية الموحدة التي تأتي في نهاية الشطر الثاني لتعلن نهاية إيقاع وبداية إيقاع مماثل، وكانت الثورة على نظام الشطرين والقافية الموحدة للخروج بالشعر من الاتجاه الغنائي إلى الاتجاه الدرامي، ومع ذلك فإن المسرحية المعاصرة لم تسلم تماماً من الغنائية، ففي "مأساة الحلاج" المسرحية الأولى لعبد الصبور مقاطع غنائية طويلة تسيء إلى الحوار والحركة الدرامية، فعلى مدار أكثر من صفحتين يقف الشبلي مجيباً عن أسباب الفقر والاستعباد(25) ويتحدث الحلاج على خلق اللَّه للإنسان على مثال صورته وعن صلته باللَّه على مدار ثلاث صفحات(26)، ثم يتحدث الحلاج على مدار خمس صفحات ونيف عن شخصيته وتصوفه وشيخه أبي العاص عمرو بن أحمد(37).

2- رسم الشخوص:

لم يستطع معظم شعراء المسرحية المعاصرة أن يرسموا شخوصهم من داخلهم بوساطة المونولوج، ولم يستطيعوا الاستفادة من لحظات التأزم، فالبرادعي لم يستطع أن يرسم لنا شخصية عائشة من داخلها حين حاصرها الحجاج وراقبها، ولم يستطع أيضاً أن يرسم لنا شخصية الحجاج القوي المستبد والمقهور الذليل إزاء جمال عائشة، فقد كان ينبغي أن يرسم لنا شخصية عائشة وهي محاصرة في المكاشفتين الرابعة والخامسة، وأن يرسم لنا شخصية الحجاج المهزوم والعاشق الذليل في المكاشفة الخامسة، ولكنه لم يفعل، وكذا شأن شخصية الحلاج في "مأساة الحلاج" لعبد الصبور، فقد رسمت من الخارج، فعرفنا كل شيء عن الحلاج المتصوف، ولكننا لم نعرف شيئاً عن الحلاج الإنسان وهو يتعرض لمحاكمة ظالمة، وكأن حياة الرجل لاتهمه، أو كأنه يبحث عن موته، فهو صامت إزاء موت الإنسان فيه، ولذلك خلت هذه المسرحية إلا من الصراع الذهني الفاتر، ولم تكن شخصية الحلاج نامية، وقد أهمل المؤلف خصائصها وغرائزها وطباعها.

3- الترقيع:

نقصد هنا به نقل حالة أو موقف من مسرحية عالمية شهيرة إلى هذه المسرحية أو تلك نتيجة المثاقفة أو التأثر بما يقرأ، فتظل بعض الصور أو المواقف عالقة في ذهنه، فينقلها بالترقيع أو مايماثله، ففي "مأساة الحلاج" يُقدم الحارس في السجن على ضرب الحلاج بسوطه، والحلاج هادئ مبتسم، فيتعذب الحارس بدلاً من أن يتعذب الحلاج:

الحارس: لم لاتصرخ؟

الحلاج: هل يصرخ ياولدي جسد ميت؟

الحارس: اصرخ. اجعلني أسكت عن ضربك

الحلاج: ستمل وتسكت ياولدي

الحارس: اصرخ.. لن أسكت حتى تصرخ

الحلاج: عفواً ياولدي، صوتي لايسعفني

الحارس: قلت اصرخ.. أنت تعذبني بهدوئك

الحلاج: فليغفر لي اللَّه عذابك

أيخّفف عنك صراخي.. قل لي

ماذا تبغي أن أصرخ.. فأقول؟

الحارس: استحلفني باللَّه، بأولادي، بتراب أبي..

انظر لي نظرة خوف تتبع سوطي ، وهو يحلق ثم يرف ويتهاوى

اسألْ لي اللَّه بقاء، أو سعة في الرزق، رقياً في الجاه

اصنع شيئاً يوقفني، أرجوك.. اجعلني أتوقف

فأنا قد أنهكت

"وهو يلهث"

أنهكت.. أنهكت.. أنهكت

ربي ماهذا الإعياء؟

ياشيخ

قل لي من أنت

أنت شيطان..؟

بل أنت ملاك.. جبريل

بل أنت ولي من أهل اللَّه

من أنت..؟

من أنت..؟

"يتهاوى بجانبه.. ويبكي على كتفيه"

أيا كنت اغفر لي.. اغفر لي..(28).

يعيدنا هذا الموقف إلى مسرحية "موتى بلاقبور" لجان بول سارتر، إذ كان الفدائيون الفرنسيون في سجون النازية في باريس، وكان المحقّقون يودّون معرفة شيء عنهم وعن رفاقهم، فيقومون بجلدهم،ولكن الفدائيين كانوا يقابلون تعذيبهم بالغناء، وهذا يزيد في عذاب الجلاد النازي وقهره.

ونجد الموقف الثاني في مسرحية "الأميرة تنتظر" فهي ووصيفاتها الثلاث انتظرن خمسة عشر عاماً ليأتي بعد ذلك السمندل، وهذا الموقف شبيه بمسرحية "في انتظار غودو" الشهيرة لبيكيت، وإن كانت النتيجة في المسرحيتين مختلفة، فالانتظار في مسرحية بيكيت عبثي، ولكنه هنا مجدٍ.

4- الإخفاق في استلهام التراث وتوظيفه في بعض المسرحيات:

لايعني ماتقدم أن هذه المسرحيات كانت بمستوى فني وا حد في تقاناتها وخصائصها، فقد تفاوت الشعراء في قضية استلهمام التراث وإسقاطه على تجارب معاصرة بين عمل وآخر، واستطاع بعضهم أن يضيء الحاضر بوساطة الماضي، ولكن أعمالاً أخرى ظلت حبيسة التاريخ، فالحلاج، وهو شهيد الكلمة الحرة يراد منه الإنسان المعاصر الذي يموت في سبيل كرامته وحريته، ولكن شخصية الحلاج ظلت، في "مأساة الحلاج" في حدود التاريخ وحياة الحلاج الخاصة، ظلت نورانية صوفية مستسلمة لقدرها سعيدة به، بعيدة عن الصراع، وليس المناضلون على هذه الصورة.

ولم يستطع البرادعي أن يقنعنا في مسرحيته "الأيام السبعة الطوال في حياة أبي القاسم الفردوسي" بان هموم الفردوسي هي بعض همومنا، وبخاصة حين جعل السلطان الغزنوي في اليوم الخامس يقدّر موهبة الفردوسي، ويعود عما كان عليه بتأثير ابنته نرجس، فضرب البرادعي بذلك مسوغات الصراع الخارجي والداخلي، وجعله بلاهدف إذ تصالحت الشخوص الدرامية، ثم إن مسرحيته هذه لا تومض ولاتوحي بأي مشابهة بين حياة الفردوسي وبين مانحياه، ولم يستطع الشاعر أن يجعل الفردوسي معاصراً لنا، يعيش بيننا، ويفكر بما نفكر به.. ظلت هموم الفردوسي رهينة التاريخ، وظلت القضية التي عاشها قضيته وحده.

المناقشة والنتائج:

المسرحية جنس وافد إلى ثقافتنا المعاصرة، وقد تعثر لأسباب كثيرة، أهمها أنه جنس مركب يتوقف نجاحه على نجاح عدة عوامل وعناصر وجهود إخراجية وهندسية وتشخيصية ومادية ومكانية وزمانية وسواها، ولكن إخفاق المسرحية الشعرية كان في الخبرة الشعرية، إذ ظن كل شاعر غنائي أنه قادر على أن يكون شاعراً مسرحياً، لاعتقاده أن الشاعر أهم من المسرحي والشعر أهم من المسرحية وأعلى مكانة، فدلف إلى هذا الجنس شعراء غنائيون تقليديون، ومنهم أحمد شوقي، فسار على طريقته مع اختلافات يسيرة في اللغة الشعرية، شعراء أمثال عزيز أباظة وعمر أبي ريشة، وسعيد عقل، وعدنان مردم، وسواهم، وكان دخول أمير الشعراء إلى الميدان حافزاً لهم على الخوض فيه، ولكن معظم هؤلاء الشعراء قد دلف إلى هذا الجنس بشاعريته الغنائية، فظهرت بعض العيوب في الجنس المسرحي، فظن بعض النقاد ولاسيما نقاد المسرح أن العيب في الشعر، وراحوا يعلنون ان المسرحية حنس لايتناسب والشعر، وأن زمن المأساة الإغريقية قد ولى إلى غير رجعة، وقد فات هؤلاء أن الشعر في المسرحية غير الشعر في القصيدة الغنائية، وأن طبيعتهما ليست واحدة، فالشعر في القصيدة أحادي الصوت والاتجاه، ويتلاءم مع هذا الشكل وذاك، في حين أن الشعر في المسرحية مركب من أصوات مختلفة باختلاف شخصياتها، متلوّن بتلون الموقف الذي تعيش فيه الشخصية، متصاعد بتصاعد حركة الحدث والصراع والأزمة حسب طبيعة كل فعل مسرحي على حدة.

وانتقلت المسرحية الشعرية المعاصرة نقلة جديدة من الشكل القديم إلى الشكل الجديد الذي كان أكثر ملاءمة للمسرحية من الشكل الغنائي الطابع والتاريخ،وقد ساعد ذلك على التحرر من الغنائية والنمطية والمماثلة والرتوب والمباشرة، انتقلت هذه الأعمال إلى حد ما من مرحلة الشعر المسرحي إلى مرحلة المسرحية الشعرية، وهما مرحلتان مختلفتان كل الاختلاف، ففي الأولى يبرز الشعر على حساب المسرحية، وتبرز المسرحية في الثانية على حساب الشعر. وكانت نقلة المسرحية الشعرية الهامة إلى الأساليب المعاصرة، فاستفاد الشعراء من التقانات المسرحية في الغرب والشرق، والتجأ بعضهم إلى تقانة الإبعاد الزماني والمكاني لخلق واقع فني بديل من الواقع المعيش ولإثراء النص المسرحي، والتجأ بعضهم إلى كسر الإيهام المسرحي أو إيجاد مسرح داخل المسرحية، وهي تقانات في المسرحية العالمية المعاصرة، فتوزعت المسرحية الشعرية المعاصرة بين اتجاهين: اتجاه المسرح التغريبي الملحمي، وهذا مانجده في مسرحية "آه ياليل ياقمر" لنجيب سرور وبعض مسرحيات صلاح عبد الصبور، واتجاه المسرحية التقليدية مع إدخال بعض التقانات المعاصرة، كالإبعاد الزماني والمكاني المحدود، كما في بعض مسرحيات البرادعي.

ولم تكن التقانات هي التطور الوحيد الذي عرفته المسرحية الشعرية المعاصرة، فقد كانت بحاجة إلى لغة شعرية غير اللغة التي عرفت في مسرحيات شوقي وعزيز أباظة، فإذا كانت اللغة الشعرية في القصيدة الغنائية غاية فهي في المسرحية الشعرية وسيلة للكشف عن خصائص الشخصية وطبائعها وغرائزها وعالمها الداخلي، وهي تتلون بتلونها، وتتناسب مع حركاتها الداخلية فرحاً وحزناً، هدوءاً وتوثباً، ترقباً وصراعاً، تكون طيعة بيد الشاعر المسرحي، وهو يصعد بشخوصه من نقطة التأزم إلى الذروة، ولذلك كانت خصائص المسرحية الشعرية المعاصرة جديدة فالتقى الشعر بالرمز ليغدو النص المسرحي ثرياً بمحموله وتأويلاته، وتنوعت اللغة في المسرحية الواحدة، اختلفت مستوياتها بتنوع شخصياتها واختلاف مستوياتها، وبرزت الشخصيات التي تتكلم وحدها، وتوهج الشعر بحضور العناصر المسرحية وبغياب الشاعر غياباً كلياً.

وطرأ تحول كبير على الشخصية المسرحية الشعرية المعاصرة، فقد كانت في المسرحية الشعرية التقليدية شبيهة بدمية يحركها الشاعر أو يتحدث باسمها، فأخذت تتحرر إلى حد ما من قبضته وتعبر عن نفسها، فاختفى صوت الشاعر، وارتفعت أصوات شخصياته بدرجات متفاوتة، واستطاع بعض الشعراء أن يخلقوا شخصيات مسرحية متمايزة ومختلفة.

ومع ذلك فقد ظلت بعض العيوب عالقة بهذه المسرحية الشعرية أو تلك، وأهمها بعض المقاطع الغنائية التي تسللت إلى المسرحية المعاصرة مع الشاعر الذي يحمل إرثاً من الغنائية لايستطيع التخلص منه بسهولة، ومنها الاكتفاء برسم الشخصيات من خارجها في بعض المسرحيات، والترقيع والإخفاق في استلهام التراث وتوظيفه، وهذه العيوب يمكن تجاوزها إذا قيّض للمسرحية الشعرية المعاصرة شاعر مسرحي كبير خبير.

يثبت ماتقدم أن الشعر لايتحمل وحده إخفاق المسرحية الشعرية، وإنما هو يزيدها غنى وثراءً، وبخابصة إذا توافر لها المبدع الخبير، ولذلك يمكنننا أن نقول مع صلاح عبد الصبور(29): "الشعر هو صاحب الحق الوحيد في المسرح".

 

هوامش الفصل الثالث:

1- انظر مثلاً: مندور، د. محمد -مسرحيات شوقي -مكتبة نهضة مصر -القاهرة -ط3 -د.ت -ص47-48 وص53-54 وشوكت، محمود حامد -المسرحية في شعر شوقي -مطبعة المقتطف والمقطم -1947 -ص84 وص44، وظلام، د. سعد عبد المقصود -المسرح الشعري بين أحمد شوقي وعزيز أباظة -مطبعة الفجر الجديد -مصر -ط1 -1981 ص68، وص72، وعوض، د. لويس -دراسات عربية وغربية -ص99-100.

2- الخال، يوسف- الأعمال الشعرية الكاملة -دار العودة -بيروت -ط2 1979 -ص138 نظمت هذه المسرحية الشعرية، وهي مسرحيته الوحيدة، بين عامي 1947- 1953، وصدرت عن دار الهدى في نيويورك عام 1954، ثم صدرت ضمن أعماله الشعرية الكاملة.

3- عبد الصبور، صلاح -ديوانه -دار العودة -بيروت -ط4 -1983 -المجلد الثالث -ص424 ومسرحية "بعد أن يموت الملك" نظمت عام 1973- وهي وحيدة في ديوانه -المجلد الثالث ص ص 227-442,

4- "سرور، نجيب -آه ياليل ياقمر -دار الكتاب العربي -القاهرة -1968 -الفصلين الأول والثاني في عدة مواضع.

5- عبد الصبور، صلاح -ديوانه -المجلد الثالث -ص ص228- 236.

6- المصدر السابق -ص ص 440- 442

7- عبد الصبور، صلاح -ديوانه -المجلد الثاني -ص ص 654 -665، ومسرحية "مسافر ليل" نظمت عام 1972، وهي في المجلد الثاني مع مسرحياته الأخرى: الأميرة تنتظر -مأساة الحلاج -ليلى والمجنون

8- المصدر السابق -ص697.

9- المصدر السابق -ص699.

10- البرادعي، خالد محيي الدين- مكاشفات عائشة بنت طلحة ووادي العذارى -منشورات وزارة الثقافة -دمشق 1995 -ص118 "المسرحيتان في كتاب واحد".

11- المصدر السابق -ص136.

12- عبد الصبور -ديوانه -المجلد الثاني -ص ص727- 732 وص ص737-746، ومسرحية "ليلى والمجنون" نظمت عام 1972.

13- المصدر السابق -ص399، ومسرحية "الأميرة تنتظر" نظمت عام 1973.

14- عبد الصبور، صلاح -ديوانه -المجلد الثالث -ص ص303- 304.

15- المصدر السابق- ص ص433- 434.

16- عبد الصبور، صلاح -ديوانه -المجلد الثاني -ص ص771- 772.

17- البرادعي، خالد محيي الدين -الأيام السبعة الطوال في حياة أبي القاسم الفردوسي -دار مكتبة الحياة ومؤسسة الخليل التجارية -بيروت -ط1 -1996 -ص ص21- 22.

18- عبد الصبور، صلاح- ديوانه -المجلد الثاني -ص486، نظمت "مأساة الحلاج" عام 1965، وهي أولى مسرحياته.

19- المصدر السابق -ص ص526- 527.

20- البرادعي، خالد محيي الدين -الإمبراطور زمسكس -اتحاد الكتاب العرب -دمشق 1991 -ص18.

21- المصدر السابق -ص252.

22- الخال، يوسف -الأعمال الشعرية الكاملة -ص ص126- 127.

23- البرادعي -الإمبراطور زمسكس -ص ص189-190.

24- البرادعي، مكاشفات عائشة بنت طلحة -ص ص13-14.

25- عبد الصبور -ديوانه -المجلد الثاني -ص ص471- 474.

26- المصدر السابق -ص ص499-502.

27- المصدر السابق -ص ص575- 581.

28- المصدر السابق -ص ص529- 531.

29- المصدر السابق -المجلد الثالث -ص211.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244