مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 292 آب 1995
فهرس العدد فهرس الدوريات
 
الطللية الجاهلية لحظة الشعر الأولى ـــ دراسة: رضوان السح

الطللية الجاهلية لحظة الشعر الأولى ـــ دراسة: رضوان السح

إن بناء نظرية للشعر العربي بالدرجة الأولى مشروع في الطريق الصحيح لتلمس ذاتنا القومية، وذلك لما للشعر العربي الجاهلي من الأثر الخطير في صوغ الملامح الأولية لهذه الذات.

والنظرية في الأدب إنما تعني في أبسط معانيها محاولة للتحليل بقصد التعليل والتفسير.

إن دافعي المباشر لإنجاز هذه الدراسة كان وليد إطلاعي على كتاب في النقد لواحد من نقادنا المعاصرين هو الأستاذ يوسف اليوسف، والكتاب هو "مقالات في الشعر الجاهلي" وأخص بالذكر البحوث المتعلقة بالطللية الجاهلية وقد جاءت عبر دراستين:

"اللحظة الطللية في القصيدة الجاهلية" و "نظريتنا في الطللية" وسنقف عند هاتين الدراستين متأملين حصيلة ما جناه اليوسف ورسمه بالنظرية، ساعين إلى ملامح نظرية أخرى عبر رؤية تحليلية جديدة تصل بنا إلى تعليل وتفسير جديدين، وإن كان الأمر لا يخلو من نقاط تقاطع مع الرؤى السابقة سواء تلك التي عرضها اليوسف، أم تلك التي تعرّض لها بالنقد وهي التفسيرات الخمسة المعروضة في كتاب "مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي" لحسين عطوان وهي لابن قتيبة والمستشرق الألماني فالتر براونة وعز الدين إسماعيل ويوسف خليف وأخيراً تفسير صاحب الكتاب حسن عطوان.

بداية نبدي تعاطفنا مع تفسيري ابن قتيبة وفالتر براونة، ونهمل تفسير عز الدين إسماعيل لتقاطعه كثيراً مع رأي براونة، ونهمل تفسير خليف لسذاجته حيث يرى في المقدمات الطللية حلاً لمشكلة الفراغ وكأن الوقوف على الرسوم الدوارس كان للتلهي وتزجية الوقت.

ونهمل تفسير عطوان لإغراقه في التبسيطية، فالمقدمات الطللية كانت "ضرباً من الذكريات والحنين إلى الماضي" وهذا لا يتجاوز حدود وصف الظاهرة.

إننا نلتقي مع ابن قتيبة في أن الشاعر الجاهلي إنما يلجأ إلى النسيب ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه..." كتاب حسين عطوان ص 214".

ويعترض اليوسف على هذا التفسير لأن دافع اللجوء إلى النسيب برأيه هو بسبب أن الجنسية هي أشد دوافعه (أي الشاعر) حاجة إلى التلبية"(1) ونحن لا نرى في التفسيرين إلا وجهين لعملة واحدة، والخلاف إنما ينشأ لحذف طبيعة الفن، فالفن الذي يجذب نفوسنا إنما هو المعبر عن أشد دوافع الفنان حاجة إلى التلبية.

أما فالتر براونة فنلتقي معه في تفسير الطللية بالموقف الوجودي وذلك في مقالة بعنوان: "الوجودية في الجاهلية" نشرها في مجلة المعرفة السورية (حزيران-1963).

فموضوع النسيب على براونة هو الموضوع الذي حرك الإنسان في كل زمان وهذا الموضوع هو اختبار القضاء والفناء والتناهي، فهنا تعبير عن التشاؤم ومخاوف الوجود وخوف الفناء والتناهي.

ويأخذ اليوسف عند براونة هذا التفسير لابتعاده –برأيه- عن أخذ الواقع بعين الاعتبار فنعجب للسذاجة التي يتساءل بها يوسف اليوسف: "ترى لو كان عبيد بن الأبرص مواطناً في ألمانيا التي تجودها الأمطار خلال العام كله أفكان ثمة مبرر لأبياته هذه؟"(2).

وأبيات بن الأبرص هي:

أقفر من أهله ملحوب

 

فالقطبيات فالذنوب

وبدلت من أهلها وحوشاً

 

وغيرت حالها الخطوبُ

أرض توارثها شعوب

 

وكل من حلها محروب

إما قتيلاً وإما هالكاً

 

والشيب شين لمن يشيب

ولا أدري لماذا يستغرب اليوسف ويتساءل هذا التساؤل مع أن القلق الوجودي يشمل الإنسانية جميعاً إلا أن حدته تقوى وتضعف حسب الواقع كما لو أن هذا القلق يكون مصبوغاً بصبغة الواقع فوجودية طرفة بن العبد العربي الجاهلي هي  بالتأكيد غير وجودية سارتر الفرنسي المعاصر.

فالوجودي يعبر عن معاناته الوجودية من خلال عناصر واقعه الخاص وابن الأبرص لا يشكو شكوى واقعية من قلة المطر إنما يعرض مكابدة أمام أفاعيل الدهر "والشيب شين لمن يشيب".

إن يوسف اليوسف يشدد على مسألة الواقع في تفسير الظاهرة الطللية ليخلص إلى نتيجة مفادها أن الطللية نتاج عناصر ثلاثة:

"القمع الجنسي- الاندثار الحضاري- قحل الطبيعة"(3)

ونتيجة اليوسف لا تتعارض مع الموقف الوجودي وإنما تكمله من خلال النظر إلى المسألة من زاوية أخرى، فالقمع الجنسي هو الدافع للنسيب، وتميل الأسماع –على رأي ابن قتيبة- للدافع ذاته فالقمع معاناة الشاعر والسّامع أيضاً، أما قحل الطبيعة والطبيعة الرعوية للمجتمع فهما اللذان منحا الطللية عناصرها الموضوعية حيث يرتحل القوم ومعهم الحبيبة ويحدث الفراق، وتظهر آثار الديار التي تشعل الذاكرة بالصور، وتكوي الفؤاد بالحنين، وتوحي بعد ذلك بالتلاشي والفناء والاندثار فيطفح الشعور الوجودي.

الاندثار الحضاري:

أما الاندثار الحضاري فهو العنصر الجديد الذي جاءت به نظرية يوسف اليوسف المفسرة لظاهرة الأطلال وهو بؤرة النظرية، ويعني أن الشاعر الجاهلي في (لا شعوره الجمعي) إنما هو حزين في طلليته لأنه افتقد حضارة.

وربما نشأ هذا التقليد –في حدس اليوسف بعد ((خراب سد مأرب، أو من خراب الحضارات التي ازدهرت فعلاً في أماكن شتى من جزيرة العرب"(4).

إن غياب الحضارة بمفهوم أوسع من هذا المفهوم يشكل –لا شك- سبباً إضافياً هاماً لتعليل الظاهرة الطللية، أما ضمن هذا المفهوم فإننا نطلب ولو تلميحات بسيطة من حنين الشاعر الجاهلي لإحدى هذه الحضارات. ولكن هذا الأمر نفتقده تماماً في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه قوى السطوع لكي تبنى عليه نظرية تأخذ منه سبباً أساسياً في تفسير ظاهرة الوقوف على الأطلال.

واليوسف يسعى هذا المسعى لأنه يتعذر عليه "تفسير الظاهرة الطللية كحالة فردية تخص هذا العضو أو ذاك من أعضاء المجتمع"(5)

إذا لم تكن الطللية بكاء على حضارة درست فهل هي بالضرورة تعبير عن حالة فردية؟! لا أعتقد ذلك، فليس الحنين لحضارة دارسة –المشكوك بوجوده- هو الرابط الأوحد بين الجاهليين فيما يخص الطللية فهم يشتركون في قحل الطبيعة والبيئة الرعوية والقمع الجنسي والقمع الوجودي.

ولإصرار اليوسف على إبراز عنصر جديد لتعليل الظاهرة وهو الاندثار الحضاري راح يتمحل ويلوي بأعناق الأبيات الطللية ليقولها ما لا تقول، ويحملها ما لا تطيق، فيأتي بما لم نعتده فيه وهو المعروف برهافة ذوقه في قراءة النصوص ودقة محاكمته.

فيرى أن عبارة "فلأيا عرفت الدار بعد توهم" هي بديل منطقي (وكذلك تعبير شاعري) عن أن يقول بأن الدار قد آلت إلى الاندثار بحيث بات من المتعذر تحققها إلا بعد التنقيب الأثري المكدود فكأنما هو عالم آثار ينقب عن مدينة بائدة"(6).

وحول الظعن يقول: "الظعينة ذات صلة بالرحيل وعدم الاستقرار وبذلك تخفي وراءها الحاجة إلى الانصياع الحضاري المستقر..... فكأنما هناك علاقة تضايف بين أطلال الحضارة وتشرد السكان"(7)

ويعلق على هذا البيت:

فلما وردن الماء زرقاً جمامه

 

وضعن عصي الحاضر المتخيم

بقوله: "إن الجاهلي يفهم الماء على أنه أصل لا لكل حياة وحيوية فحسب بل على أنّه منشأ الحضارات، وهذا حدا بالشاعر المتطلع ضمناً نحو ازدهار حضاري إلى إقرار ظعنه حول الماء"(8).

ولا أملك هنا الآن إلا الدهشة: لو لم يدرك الجاهلي ذلك أما كان سيصل إلى إقرار ظعنه حول الماء؟!

ويقرأ بعد ذلك في صور النباتات النامية على الأطلال والحيوانات التي اتخذت بيوتها بين الحجارة صورة للخصب المقابل للقحط والدمار حيث يرى تضاداً بين الأبيات الثلاثة الأولى والست اللاحقة من طللية لبيد.

عفت الديار محلها فمقامها

 

بمنى تأبد غولها فرجامها

ومن الأبيات الستة:

فعلا فروع الأيهقان وأطفلت

 

بالجلهتين ظباؤها ونعامها

فالشاعر –على رأي اليوسف- "يطرح الخصب كبديل عن القحل"

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244