مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - تعنى بنشر المواد الفكرية و السياسية و الدبلماسية و الوثائق المتصلة بذلك - العدد 11 - 12 (عدد مزدوج)
Updated: Monday, October 22, 2007 01:36 AM
فهرس العدد صفحة الدوريات
 

دراسة في الفكر الجيبوستراتيجي حول قوة الدولة مورفولوجية الحدود السياسية - المهندس : مازن محارب.

تعني مورفولوجية الحدود (أشكالها) التي تظهر بها في الخريطة السياسية العالمية، هذه التي تتراوح مابين كونها طبيعية أو غير طبيعية. أما الطبيعية منها، فهي تلك التي تتفق مع خطوط الانقطاع المكانية (السواحل، الجبال، الأنهار، وغيرها). وتتضمن غير الطبيعية الحدود الفلكية والهندسية منها. ولا يقتصر المنهج المورفولوجي لدراسة الحدود على وصف هذه الأشكال ومتابعتها في أنحاء العالم من الناحية التوزيعية، بل يهدف أيضاً إلى تحديد (العوامل والعملية) التي اقتضت إليها، وما قد يقترن بأيها من مشاكل تتصل بالدولة ذاتها أو بعلاقاتها مع غيرها... فكما ورثت الخريطة السياسية هذه الأشكال من التاريخ القريب والبعيد فإنها تنطوي أيضاً على تبعاتها ومشاكلها. ولأن الحدود من مكونات الدولة الأساسية، باعتبارها تؤطر مساحتها وتمنحها شكلها، فضلاً عن نفوذها المباشر ـ في صياغته القانونية ـ على مواردها وسكانها، فإنها بالتالي من قواعد جيوستراتيجيتها الخاصة والعامة، تؤثر إيجابياً وسلبياً في البنية العامة لقوتها، ومن هنا أهمية دراسة مورفولوجيتها من وجهة النظر الجيوستراتيجية... أي من زاوية إسهامها في الحسابات الشاملة لقوة الدولة.‏

تفرّق الدراسات الجيوستراتيجية المعاصرة بين مصطلحي خط الحدود Boundary ومنطقة الحدود Frontier، وذلك باعتبار ما يعنيه خط الحدود من الفصل، وما تعنيه منطقة الحدود من استمرارية، ويقابل الأخيرة في العربية كلمة "تخوم" اصطلاحاً، وترد التخوم عند "ابن منظور" باعتبارها (منتهى كل قرية أو أرض، وتخوم الأرض حدودها ومعالمها). وتستمد منطقة الحدود أهميتها الجيوستراتيجية من تعبيرها الدقيق عن الخاصية التوزيعية للظاهرات المكانية (الطبيعية خاصة)، هذه هي التي تتسم بنوع من التلاشي التدريجي غالباً... يمنحها قدراً من الاستمرارية، تتجاوز بها خطوط الحدود مهما كانت فاصلة، وخاصة أن الأخيرة في معظمها تعاهدية اتفاقية، بمعنى أنها توضع بناء على اتفاق معين بين الدول المعنية، وهي بذلك قد تتسق أو لا تتسق مع هذه الظاهرات المكانية بدرجات، وتبرز خطوط الحدود متميزة فوقها بخاصيتها الفاصلة الصارمة، بينما تبقى هذه الظاهرات مستمرة على جانبيها أيضاً، وعند هذه النقطة من تناقض خطوط الحدود مع التوزيع المكاني للظاهرات الطبيعية والعلاقات الاقتصادية والبشرية، ويتجلى دور الدراسات الجيوستراتيجية في تحديد أبعادها، والكشف عن العوامل التي أدت إلى مشاكلها، وفي إطار هذا الدور قدمت هذه الدراسات عدداً من المفاهيم الهامة، تتعرض لها هذه الدراسة... أو لبعضها الأهم على الأقل (أولاً)، تعقبها معالجة لأشكال الحدود كما تظهر في الخريطة السياسية المعاصرة وما يقترن بها من مشاكل سياسية وقانونية (ثانياً)، ثم تأتي الخاتمة ـ أخيراً ـ حول اتجاهات التغير الراهنة في هذه الخريطة.‏

المفاهيم الأساسية لمورفولوجية الحدود‏

* النواة والهوامش: لكل دولة ـ مهما اتسعت، نواة، بدأت منها ونمت حولها، ويقتضي التعرف عليها الرجوع إلى تاريخها، وتحديد طبيعتها... وهل هي نواة جغرافية مكانية؟ أم اقتصادية؟ أم تاريخية ثقافية؟ أم هي ذلك كله؟ أم بعضه؟ أم غيره؟ كما أن لكل دولة هوامشها.. التي قد تتفق نهاياتها مع خطوط حدودها، وقد تستمر بعدها بدرجات شتى من الوضوح، وتستند العلاقة بين نواة الدولة وهوامشها إلى عدد كبير من العوامل المتشابكة، ويكمن بعضها في تاريخها القريب أو البعيد، ويبرز بعضها في نظمها السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الإرادية وتتبلور جميعها في بؤرة "المصلحة المشتركة"، هذه التي يجدر أن تتقارب درجة وضوحها في جميع مناطق الدولة بغير استثناء، ومهما اختلفت طبيعة النواة بين الدول، وتباينت علاقاتها مع هوامشها، تبقى المصلحة المشتركة بمثابة المحور اللازم لها جميعاً.. وجوداً واستمراراً..‏

وكما سبقت الإشارة فإن الحدود السياسية تؤطر جملة مظاهر السلطة الشرعية للدولة فوق مساحة من الأرض يسكنها شعب معين، متجلية فوقها، بدرجة واحدة من القوة والوضوح، فهي لا تأخذ في التلاشي مع الاتجاه من النواة إلى الهوامش، بل هي تنتهي عند حدودها فجأة، وتقوم الدولة بتجسيد سيادتها عند هذه الحدود بواسطة مراكز الدفاع ونقاط الجمارك والتفتيش، كما تقوم بتأمين النطاق الجوي فوق هذه المساحة، أي أن الحدود تستقيم رأسياً لتؤطر ما أصبح يعرف بالمجال الجوي.... كما سبق لها أن أطرّت أفقياً المجال الأرضي، فإذا ما حازت الدولة جبهة مائية... امتدت حدودها إلى مسافة معينة داخل الماء( ستأتي الإشارة بعد قليل إليها)، لكي تؤطر أيضاً ما أصبح يعرف بالمياه الإقليمية للدولة، وتدرج الدراسات الجيو ستراتيجية المجالين الجوي والمائي ضمن الهوامش، وتفرد لهما معالجة خاصة في إطار "القوة العامة للدولة"، هذه القوة التي تتجلى مع اتجاه الدولة لأن تصبح إقليماً سياسياً بمعنى الكلمة.‏

* الدولة إقليم سياسي: تتعدد مجالات نفوذ الدولة داخل حدودها هذه التي تمارس فيها سلطاتها الأساسية (الدفاع، التمثيل الدولي، الجنسية... وغيرها)... في إطار من الشرعية والقانون، كما تطبق سياستها الاقتصادية (استغلال الموارد، التخطيط والتنمية، الصادرات، الواردات، الضرائب،.. وغيرها)، والسكانية (الهجرة، حركة العمال، التعليم والتدريب... وغيرها)، وفي غير ذلك من النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية، يضمها جميعاً ما اصطلح على تسميته بالاستراتيجية العامة للدولة، هذه التي يجدر أن تقع "المصلحة المشتركة" لجميع مناطقها في صميمها. وبدون الخوض في تفصيلات هذه المصلحة التي تختلف بالضرورة من دولة إلى دولة فإن تحقيقها يتوقف على كم العلاقات الداخلية للدولة ونوعيتها، وعلى مقدار الارتباطات بين مناطقها ومجتمعاتها، ونوعية القنوات التي تتدفق على طولها هذه العلاقات، والارتباطات، ودرجة السيولة الإقليمية Regional Mobility التي توفرها لها شبكة مواصلاتها واتصالاتها، ومستوى الوعي بما قد تنطوي عليه البنية العامة للدولة من شقوق وانكسارات اقتصادية أو ثقافية أو سكانية، وعلى أساليب معالجتها لها، ومدى مراعاتها لقواعد العدالة الإقليمية في شتى المجالات التخطيطية فإذا ما أفضت الاستراتيجية العامة للدولة إلى تحقيق مصلحتها العامة، وإلى تحقيق المصلحة الخاصة لكل منطقة من مناطقها.. بحيث تفوق مايمكن أن تحصله أي منها منفردة، أصبحت الدولة أقرب مايمكن لتشكيل الإقليم السياسي بشروطه ونتائجه، وبما ينطوي عليه من تفاعلات تضاعف من تماسكه ومن قدرته على الحشد، تؤدي إلى بروزه في الساحة بمرتبة تعادل إمكاناته وربما تميزه بشخصية فعالة مؤثرة في محيطه الإقليمي أو العالمي.‏

الحدود نطاقات انتقال واختلاط‏

نظراً لصعوبة اتفاق خطوط الحدود مع كافة الظاهرات الطبيعية فإن الدولة ـ كمنطقة جغرافية ـ نادراً ما تقع بأكملها ـ مهما صغرت مساحتها ـ في إقليم طبيعي واحد، كما أنه غالباً ما تتنوع خصائصها الطبيعية الداخلية، ومن ثم قد تستمر بعض خصائصها المناخية أو النباتية أو المائية أو التضاريس إلى ما وراء حدودها، ولا يختلف الأمر ـ بطبيعة الحال ـ بالنسبة للتراكيب الجيولوجية أو الموارد المعدنية، ويتداعى عن هذه الخاصة الانتقالية عدد كبير من مشاكل الحدود المعاصرة، خاصة عندما يتصل الأمر بالموارد المائية أو المعدنية، ومن ناحية ثانية فإن بعض عناصر الدولة ـ كإقليم سياسي ـ قد تتواصل على جانبي حدودها، حيث تختلط الثقافة واللغة والعلاقات الاجتماعية... . وتتشابك المصالح الاقتصادية، بل قد تتعدد الانتماءات السياسية أيضاً، وتتعقد الصورة في مناطق الكثافة السكانية بصفة خاصة، كما في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية التي تتقارب الكثافات في أنحائها... ولا تتناقض في اتجاه حدودها (البلقان ودول الراين في أوروبا، والهند الصينية في آسيا)، فإذا لم تعالج خاصية الاختلاط هذه بما يناسبها فإنها قد تؤدي إلى تكوين إطارات محلية للمصلحة قد تتعارض مع المصلحة العامة للدولة، وقد تتخذ ذريعة ـ في ظروف معينة ـ للتداخل الخارجي، أو هي قد تثير نوازع الانفصال الداخلي.‏

جيو ستراتيجية الحدود السياسية‏

لقد سبقت الإشارة إلى اختلاف مورفولوجية الحدود بين الدول، ومن هذه المفارقة الأساسية بين الحدود الطبيعية وغير الطبيعية (فلكية أو هندسية) تنبثق خصائصها الجيو ستراتيجية في حالتي السلام والحرب، وذلك كما يلي:‏

* الحدود السياسية الطبيعية:‏

غالباً ما ينطوي وصول الدولة لحدودها الطبيعية على هدفي الهيمنة على أكبر مساحة ممكنة وتحقيق الشروط الدفاعية المناسبة، وتختلف قدرتها على التوصل لذلك تبعاً لظروف تكوينها من ناحية، ولما يحيط بها متغيرات من ناحية ثانية، ولما تتطور إليه نظريتها الدفاعية من ناحية ثالثة، كما تتعدد أساليب تحقيقه مابين سيطرة الدولة المباشرة على ما تراه لازماً لها، أو بغير ذلك كعقد الاتفاقيات وبالتحالف مع جيرانها، وقد ارتبط هذا الاتجاه بالوظيفة الدفاعية للحدود، بداية، ثم عقدت المصالح الاقتصادية بعد ذلك من دوافعه، ولم يعد يقتصر على مجرد تمشي الحدود مع الإطار الطبيعي الأضيق، وإنما تجاوزه سعياً وراء المصلحة، فقد امتدت "روما"، مثلاً في مرحلتها الأولى بين السلسلة الجبلية (الألب)، والبحر المتوسط تأميناً لوجودها، ثم أحاطت بعد ذلك بالبحر المتوسط من جميع جوانبه، وتلمست طريقها إلى ما وراءه بهدف السيطرة على طرق التجارة ومناطق الإنتاج جميعها، وذلك باعتبار أن حدودها تتحرك مع مصالحها... وأن نهاية مصالحها حدودها، وهي نظرية بقيت مسيطرة طوال عصر الاستعمار وتكوين الامبراطوريات (البريطانية والفرنسية والهولندية وغيرها).. وعندما تراجعت هذه الامبراطوريات إلى نوياتها بعد الحربين الأولى والثانية، فإنها في الواقع لم تتخلَ سوى عن شق السيطرة الأرضية المباشرة وبقيت متمسكة بشق المصلحة، مستندة في ذلك إلى ثورة المواصلات الراهنة، وإلى التقدم الفائق في آلة الحرب، هذه التي أضعفت من القيمة الدفاعية للحدود الطبيعية، من وجهة النظر الجيو ستراتيجية المعاصرة. وتقدم الولايات المتحدة نموذجاً للدولة التي توسعت حتى وصلت إلى نهاية حدودها الطبيعية مرحلة بعد مرحلة، فقد تكونت في البداية حول نواتها في نيو انجلند، والساحل الشرقي، وقدمت لها سلسلة الابلاش إطارها الدفاعي الطبيعي الأضيق ثم تجاوزتها خلال القرنين 18، 19، لتصل إلى سلسلة جبال الروكي باعتبارها الإطار الأوسع غرباً، وعندما احتدم التناقض بين الولايات المتحدة الصناعية والزراعية الجنوبية حول قضية الرق أعلنت الأخيرة انفصالها، واندلعت الحرب الأهلية (1816-1864)، التي أسفرت عن عودة الاتحاد بينها جميعها، ومن ثم فقد اندفعت الولايات المتحدة لكي تصل إلى ساحل الباسيفيكي باعتباره حدودها الطبيعية الأخيرة، وبذا تحقق لها ذلك الكيان الذي برزت به في الساحة العالمية منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، ليس فقط بما أحاطت به حدودها من مساحة، وإنما أيضاً ما كفلته من أسباب المنعة والحماية. وتتحد خصائص الحدود الطبيعية ـ من وجهة النظر الجيو ستراتيجية ـ حسب أشكالها فيما يلي:‏

ـ السواحل (خطوط الانقطاع بين الماء واليابس): تمثل السواحل أوضح خطوط الانقطاع الطبيعي وأشدها فصلاً، وتتوقف درجة فصلها على مساحة الجبهة المائية المطلة عليها، وعلى خصائصها المتصلة بتياراتها، وأمواجها ورياحها وغير ذلك، وعلى طبيعة خط الساحل أيضاً، وذلك من حيث تعرجه وعمق رصيفه وخصائص ظهيره، ولعل من أهم أسباب تباين الحضارات القديمة هو ما يرجع منها إلى هذه الجبهات المائية الفاصلة، التي أعاقت اتصالها قروناً، ورغم ما أدت إليه تطورات تكنولوجيا النقل فوق الماء من إضعاف هذه الطبيعة الفاصلة، فقد بقيت السواحل على أهميتها كخطوط نموذجية للحدود السياسية في عالم ما بعد الكشوف الجغرافية وحتى الآن، وإذا كانت مزية الوضوح والتحديد هي ما دعت لمثل هذه الأهمية، فقد برزت معها مشكلة تحديد المدى الذي تمتد إليه هيمنة الدولة على ما تطل عليه من مياه، أي تحديد الخط الفاصل بين المياه الإقليمية التابعة للدولة والمياه الحرة المفتوحة لجميع الدول بلا استثناء. وتضرب هذه المشكلة بجذورها إلى هذه الفترة (الكشوف الجغرافية)، التي تراجعت فيها خاصية المياه الفاصلة لحساب خاصيتها الواصلة بين الدول والقارات، وذلك حينما قررت بعض الدول البحرية (بريطانيا، هولندا، النرويج) لنفسها حقوقاً معينة فوق ما تطل عليه من مياه، وقامت بالتفرقة بين ما أسمته بالبحار العليا ـ High Seas المفتوحة للتجارة دون حدود، وبين المياه الإقليمية ـ Territorial - Water ـ التي تخضع لسيادة الدولة المطلة عليها، وتبعاً لما أعقب الكشوف الجغرافية من تطورات عميقة... برزت هذه المجموعة من الأسئلة التفصيلية:‏

ـ تحديد المياه الدولية وحرية التجارة العالمية.‏

ـ تحديد المياه الإقليمية وحقوق الاستغلال.‏

ـ تحديد الخط الفاصل بين المياه الدولية والإقليمية في البحار الضيقة أو المقفلة والخلجان والأنهار.‏

ـ التفرقة الدقيقة بين المياه الداخلية Internal water والرصيف القاري Continental shelf والمياه الإقليمية والمياه الملاصقة Contiguous water أو التكميلية.‏

ـ وضع الدول الحبيسة التي لا تحوز جبهة مائية.‏

أما بالنسبة للمياه الدولية... فقد مرت محاولات تحديدها بمرحلتين تنطوي كل منهما على مبرراتها عرفت الأولى بسياسة البحار المغلقة ـ Closed see policy تقتصر بموجبها الملاحة في المياه الدولية على بعض الدول، وهي السياسة التي كرستها اتفاقية تورد سلاس (1494)م بين إسبانيا والبرتغال بإشراف بابا روما، وبمقتضاها أصبح الباسيفيكي وخليج المكسيك ضمن السيادة الإسبانية واقتصرت الملاحة في الأطلسي الجنوبي على السفن البرتغالية، وتصدت لها بريطانيا وهولندا بما عرف بسياسة البحار المفتوحة Open sea policy (المرحلة الثانية) متضمنة الحرية الكاملة للتجارة في المياه الدولية، ورغم ذلك فقد ظهر حديثاً مصطلح المياه المحايد Diffusion بما يعني حقوقاً معينة لبعض الدول (القوية) في المياه الدولية، كمناطق تجري فيها تجاربها.‏

وكانت المشكلة بالنسبة للمياه الإقليمية أشد تعقيداً، خاصة مع تطور اقتصاديات الصيد، ومع اكتشاف الموارد المعدنية والبترولية في الأرصفة القارية، واتجاه كل دولة للتوسع في تحديد مياهها الإقليمية التي يحق لها استغلالها بمفردها. وقد اتفق في البداية على عدد من الشروط الأولية لتحديدها... هي:‏

ـ أن تكون المياه الإقليمية امتداداً لأراضي الدولة، مرتبطة برصيفها القاري.‏

أن لا يتجاوز عرض المياه الإقليمية ثلاثة أميال، مواجهة لسواحل الدولة، تمتد فوقها سيادتها كاملة.‏

ـ تصبح حرية الصيد والتجارة مطلقة لجميع الدول خارج المياه الإقليمية.‏

ـ ليس للدولة الحبيسة (أي التي لا تطل على مياه) أية حقوق في المياه الإقليمية.‏

وقد عورضت هذه الشروط من اتجاهين متناقضين. يطالب أولهما بتوسيع المياه الإقليمية لحساب الدول المشرفة عليها، ويدعو ثانيهما لتضييقها لحساب حرية التجارة والصيد في المياه المفتوحة مع صعوبة التوفيق بين الاتجاهين، فقد عمدت كل دولة لوضع هذه الحدود تبعاً لمصلحتها، بينما تمسكت بريطانيا وهولندا بشرط الثلاثة أميال، فقد بلغت بها بيرو وشيلي 200 ميل، بل اختلفت الدول أيضاً حول طرق القياس، فمنها من استبعد المياه الداخلية والخلجان، والبدء من نهايات البروزات الساحلية، بأنصاف أقطار تساوي ما حددته الدولة لنفسها من هذه المياه، ومنها ما بدأ في قياساته من خط قاعدة يتفق مع نهاية الرصيف القاري، وتتابعت المؤتمرات الدولية في القسطنطينية (1885) ولا هاي‏

(1930) دون الوصول إلى ما يرضي جميع الأطراف. وانتهى مؤتمر جنيف (1958) الخاص بقانون البحار، إلى تحديد المياه الإقليمية باثنتي عشر ميلاً، كما أوصت اللجنة القانونية للأمم المتحدة (1960) باعتبار عمق 200 متر من خيط الساحل نهاية لمياه الدولة الإقليمية، متضمنة مياهها الملاصقة حيث تضع الدولة جماركها، ونقاط إشرافها، وحيث يحق لها استغلالها دون منازعة، أما بالنسبة للدول الحبيسة... فقد كفلت القوانين حقوقها في المياه الدولية مثل غيرها، وتتلخص مشكلتها في الوصول لموانئ الدول المجاورة، وفي الأوضاع العادية، فإنها غالباً ما تحصل على تسهيلات معينة بالاتفاقيات السلمية (سويسرا، النمسا)، كما حصل عليها بعضها الآخر (المجر، تشيكوسلوفاكيا)... وفي إطار منظمة "الكوميكون"، كما تسهم الاتفاقيات الثنائية في مجال تحسين أوضاع هذه الدول الحبيسة، خاصة إذا ما كانت التجارة الخارجية تمثل جانباً هاماً من اقتصادياتها.‏

الجبال: تقدم السلاسل الجبلية ـ باعتبارها انقطاعاً طبيعياً في سطح اليابسة ـ ظاهرة طبيعية تتفق معها الحدود السياسية لعدد كبير من دول العالم، وخاصة أنها أيضاً عادة ما تمثل خطاً للانقطاع الحضاري على جانبيها، متميزة بقلة كثافتها عامة، وبوعورتها الدفاعية غالباً. وتتحدد خصائصها الجيو ستراتيجية فيما يلي:‏

* العلاقة بين القمم والسفوح: غالباً ما تتفق الحدود السياسية الجبلية مع خط القمم وتقسيم المياه وقد تتزحزح هابطة على السفوح... لأسباب تاريخية أو اقتصادية أو سكانية، أو في حالة وجود وحدات سياسية فوق السلسلة (النمسا، سويسرا، ليختشنتين فوق جبال الألب)، ومن هنا فإن أهميتها الجيوستراتيجية لا تظهر فقط من حيث ما تتضمنه من ظاهرات سياسية معقدة (الدول الحبيسة والجيوب المتداخلة والوحدات الحاجزة)، وإنما أيضاً من حيث طبيعة الارتباطات بين الدول على جانبي السلسلة وفوقها، وماقد ينطوي عليه توزيعها من مشكلات كامنة أو ظاهرة، وما تسهم به سلبياً أو إيجابياً في بنية القوة العامة لهذه الوحدات.‏

الممرات: إذا كانت الجبال تمثل انقطاعاً في الامتداد الأفقي لسطح الأرض، فإن الممرات بمثابة نقط الانقطاع في هذه الجبال، وتتجلى أهميتها في أمور تتصل بالعبور والمواصلات من ناحية وبما هيأته عند نهاياتها من مواضع جذابة لعدد من المدن التجارية من ناحية ثانية، ثم بما تسهم به في تدفق الإقليمية داخل الدولة وبينها وبين جيرانها من ناحية ثالثة، ومن هذه الأهمية تتحدد قيمتها الجيوستراتيجية العالية.‏

* العلاقة بين منابع الأنهار ومجاريها: تتبدى الخاصية الثالثة للجبال في كونها مصدراً رئيسياً للمياه لعدد كبير من دول العالم،أحياناً بصفة دائمة كمنابع بما قد يوجد فوقها من بحيرات، وأحياناً كمصادر موسمية مرتبطة بفصل سقوط الأمطار أو ذوبان الثلوج، وبالنسبة للأنهار الطويلة (النيل، الراين، الدانوب، السند، برانا.. وغيرها)، فإن أكثر من دولة غالباً ما تقتسم مجاريها وأحواضها. مما يقتضي توضيح حقوق كل منها في مائية النهر وموارده ومزاياه الملاحية المتصلة بالحركة والتجارة على طوله وعند مصبه، وذلك لتحقيق الحد الأدنى من السلام السياسي فيما بينها بداية، ثم التدرج ـ بعد ذلك ـ إلى عقد الاتفاقيات وتكوين المنظمات التي تكفل لها استغلال هذه الأنهار إلى أقصى درجة ممكنة.‏

* الحدود النهرية: عادة ما تقدم الأنهار خطوطاً للحركة تصل بين الدولة والمجتمعات الواقعة عليها،، غير أنها تبرز في خريطة العالم السياسية ـ أيضاً ـ كخطوط انفصال طبيعية تتفق معها حدود عدد كبير من دول العالم، وقد يؤدي النهر في حالتيه ـ الوصل والفصل ـ إلى مشكلات عديدة معقدة، تتصل الأولى ـ الوصل ـ منها باقتصادياته (المالية+ الطاقة+ الموارد) وبتنظيم حركة الملاحة والتجارة على طوله، وتقترن الثانية ـ الفصل ـ بعملية وضع الحدود ذاتها وهل تتفق مع ضفافه؟ أم تمر في منتصف مجراه؟ مع ما يتداعى عن ذلك بالضرورة من مشكلات، فإذا ما وقع النهر من منبعه لمصبه في دولة واحدة.... فليس هناك بالطبع مشكلة على الإطلاق، ولذلك فإن الأنهار المشكلات هي هذه التي تشق طريقها في أكثر من دولة، فالحدود النهرية لا تتسم بالمنعة التي تقدمها البحار أو الجبال باعتبارها خطوط انقطاع طبيعية صارمة الدلالة وهي غالباً ما تتفق مع هذه القطاعات من مجرى النهر المتسمة بصعوبة الحركة (شدة الانحدار، الشلالات، المستنقعات، كما هو الحال في منطقة الشلالات بين أوغندا والسودان في أعالي النيل، ومنطقة البواب الحديدية على نهر الدانوب والمجاري العليا للأمازون. وهناك أيضاً من الحدود السياسية الطبيعية غير ما ذكر، وتتمثل في الغابات والمستنقعات والبحيرات والصحارى هذه التي وإن اقترنت ـ في الماضي ـ بوظائف الدفاع والحماية والأمن، إلا أنها لم تعد تعبر في الوقت الحاضر ـ غالباً ـ إلا عن شرعية الكيانات السياسية في الخريطة السياسية العالمية الراهنة.‏

* الحدود السياسية غير الطبيعية:‏

رغم وجود بعض أشكال الحدود التعاهدية القديمة بين بعض الدول والامبراطوريات المبكرة، إلا أن الاتجاه نحو هذا النوع من الحدود غير الطبيعية (الهندسية والفلكية)، يعد حديثاً بالقياس للحدود الطبيعية، وربما يكون ذلك الحد الذي اقترحه بابا روما في القرن 16م (خط طول 70 غرباً)، من أقدم الأمثلة وأكثرها دلالة بالنسبة لهذا النوع من الحدود، وبمقتضاه آلت البرازيل إلى البرتغال، بينما وضعت إسبانيا يدها على بقية مدن أمريكا اللاتينية، كما أنه يلخص جملة الدوافع التي أدت بعد ذلك إلى اتباع هذه الخريطة عند وضع الحدود، هذه الدوافع التي تتمثل فيما يلي:‏

ـ عدم التعرف الدقيق على جغرافية المناطق الطبيعية والبشرية، ومن ثم لا يكون هناك مفتاح سوى الاستناد إلى دوائر العرض أو خطوط الطول، وعادة ما ينجم عن ذلك أوضاع سياسية عشوائية، بما قد تمزقه هذه الخطوط من مناطق ومجتمعات مستمرة على جانبيها، تؤدي بدورها إلى المنازعات والتوترات، ويظهر ضرورياً ـ بعد حين ـ إعادة ترتيب هذه الأوضاع، وإلا بقيت بؤراً للخلافات، وليس ذلك سهلاً في جميع الحالات.‏

ـ الرغبة في وضع الحدود بسرعة تحت دوافع سياسية معينة، وقد تعرضت القارة الإفريقية لمشاكل سياسية مزمنة بسبب هذا التسرع الذي لازم الدول الاستعمارية عند تقسيمها لمناطق نفوذها وذلك تبعاً لما هو تحت أيديها منها، وليس حسب أوضاعها الطبيعية والبشرية، الأمر الذي ما يزال ينهك هذه المناطق بعد استقلالها.‏

ـ عدم وجود ظواهر طبيعية بارزة يمكن وضع الحدود بحيث تتسق معها، وتظهر أمثلة ذلك في المناطق الصحراوية الحارة والمعتدلة الجليدية، هذه التي تتسم باستمراريتها الطبيعية وقلة تضرساتها، وبعدم وضوح خطوط انقطاع طبيعية عبرها، كما هو الحال في معظم دول الصحراء الكبرى وصحراء وسط آسيا والقارة القطبية الجنوبية (انتاركتيكا).‏

ـ ومما يضاعف من صعوبة وضع الحدود في هذه المناطق السابق ذكرها... هشاشة كثافتها السكانية، بما قد يؤدي إلى قيام بعض الدول بالاستيلاء عليها... مهما بعدت المسافات عنها، وذلك باعتبارها مناطق فارغة من السكان أو أقرب لذلك، مثلما استولت الدانمارك على جرينلاند وما تزال، أو بتقسيمها بين عدد من الدول مثلما حدث لقارة أنتاركتيكا التي مدت بعض الدول نفوذها إليها... باعتبارها فلكية محضة.‏

ومن الناحية الواقعية تنقسم هذه الحدود غير الطبيعية إلى مايلي:‏

* خطوط فلكية بحتة، تتبع دوائر العرض أو خطوط الطول، ومن أمثلتها خط الحدود بين الولايات المتحدة وكندا، ومصر وليبيا، ومصر والسودان، وكوريا الشمالية والجنوبية، وغيرها.‏

* خطوط هندسية تصل بين نقطتين معلومتين، وتتمثل بين معظم دول الصحراء الكبرى وفي شبه الجزيرة العربية والشام وغيرها. وقد تجمع الحدود بين بعض الدول ومابين كونها فلكية وهندسية معا. وقد اقترنت الحدود السياسية غير الطبيعية ـ خاصة في العالم الثالث ـ بعدد من المشكلات السكانية والاقتصادية المعقدة، هذه التي أنهكت العديد من دوله بعد استقلالها وذلك بما تنطوي عليه من مكونات إقليمية ممزقة تفتقر للتكامل فضلاً عن إثارتها لأسباب النزاع بين الدول المتحاربة، وتعاني إفريقية من مثل هذه المشاكل أكثر من غيرها، ليس فقط لأن الحدود غير الطبيعية تتمثل في أكثر من ثلث أطوال حدودها (35% تبعاً لدافيدسون)، بل أيضاً لرسوخ النظم القبلية والرعوية في أنحائها، وتعكس خريطتها السياسية الراهنة أوضاع دولها كمستعمرات سابقة، قد مزقت حدودها أرضها وسكانها، وأفقدت دولها تكاملها الإقليمي الداخلي، وجعلت العديد منها حبيسة مواقعها القارية الداخلية( مالي، النيجر، تشاد، إفريقيا الوسطى، أوغندا، وغيرها، محرومة من الجبهات المائية اللازمة لها، ومن بعضها الآخر (السودان، الكونغو كينيا)، وقد اختلت النسبة بين مساحتها وجبهاتها المائية الضيقة، كما انطوت على جملة من المناطق المعلقة التي كثيراً ما تثور المنازعات حولها، فضلاً عما يكتنف الحدود غير الطبيعية ـ عامة ـ من أسباب التوتر والخلاف المتصلة بغموضها وعدم وضوحها، وهو مايعد ـ من وجهة نظر منهج قوة الدولة ـ من أهم أسباب ضعف معظم دولها وتدني مرتبتها.‏

تغيرات الحدود المعاصرة‏

من منظور تاريخي واسع... فإن الأسس التي أرسيت عليها الحدود السياسية في الخريطة العالمية الراهنة، إنما تعود بجذورها إلى التغيرات الجوهرية التي أعقبت الكشوف الجغرافية عامة ومن زاوية تاريخية أضيق... فإن تفصيلاتها تقترن بمتغيرات القوى بعد الحرب العالمية الثانية خصوصاً إلى التعبير عن المصالح الاقتصادية والارتباطات الأيديولوجية بصفة أساسية. وأصبحت الدول المتقاربة اقتصادياً ومذهبياً تميل للتجمع داخل إطارات أوسع... تتلاشى فيها الحدود الفاصلة وهو ما يعرف بالاتجاه نحو تكوين "الكيان الكبير" وتشير الدراسات إلى أن صيغة "الدولة" التي سادت عقب الكشوف الجغرافية بصفة أساسية، تنحسر الآن عن الخريطة السياسية العالمية لحساب الكيان الكبير (الإقطاعية ـ الدولة ـ الكيان الكبير)، ويتخذ الآن هذا الاتجاه أشكالاً متعددة تتمثل في المنظمات الإقليمية والأسواق المشتركة والتكتلات الاقتصادية وغيرها، وقد قطعت أوروبا بقسميها (الغربي والشرقي) شوطاً في هذا الاتجاه... وذلك لمواجهة النتائج المدمرة للحرب العالمية الثانية في البداية، ثم لتدعيم موقفها الإنتاجي والتنافسي في الساحة العالمية بعد ذلك طامحة على مراحل: نحو تحويل دولها إلى وحدات إدارية داخل كيانها الكبير.. أوروبا الموحدة فإذا كانت التجربة قد آتت ثمارها في هذه القارة المتقدمة... فهل يمكن توقع تكرار نموذجها في العالم الثالث؟ وهل يمكن القول بأن نموذج "الكيان الكبير"، هو الصيغة الأمثل لحل مشكلات التخلف وتناقضات الحدود الراهنة؟...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244